قال رئيس الحكماء من آل لقمان : هذا عندي أمر لا يتمّ ، فلا تتعبوا أنفسكم ، فهو بعيد المرام ، لأن أكثر هذه البهائم لا تكون بالليل إلّا مقيّدة أو مغلّلة ، والأبواب عليها مغلقة ، فكيف يتسنّى لها الهرب في ليلة واجدة ؟
قال صاحب العزيمة : يبعث الملك تلك الليلة قبائل الجن يفتحون لها الأبواب ويحلّون عقلها وأوثاقها ، ويخبلون حرّاسها إلى أن تبعد البهائم .
واعلم أيها الملك بأن لك في هذا أجرا عظيما ، وقد محضت لك النصيحة لما أدركني من الرحمة لها ، وإن اللّه تعالى لما علم من الملك حسن النيّة وصحة العزيمة فإنه يعينه ويؤيّده وينصره إذا شكر نعمته بمعاونة المظلومين وتخليص المكروبين ، فإن في بعض كتب الأنبياء ، عليهم السلام ، مكتوبا : يقول اللّه عزّ وجلّ : أيها الملك إني لم أسلّطك لتجمع المال وتتمتع وتشتغل بالشهوات واللذات ، ولكن لتردّ عني دعوة المظلوم ، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر .
فعزم الملك على ما أشار به صاحب الرأي ، ثم قال لمن حوله من الحضور :
ما ذا ترون فيما قال ؟ قالوا : محض النصيحة وبذل المجهود .
فصدقوا رأيه جميعا غير حكيم من آل كيوان فإنه قال : بصّرك اللّه أيها الملك خفيّات الأمور وكشف عن بصرك مشكلات الأسباب والدهور ، إن في هذه الأسباب والعمل خطبا جليلا لا تؤمن غائلة عاقبته ، ولا يستدرك إصلاح ما فات منه ولا ما فرط .
فقال الملك : عرّفنا يا حكيم ما الرأي ، وما الذي يخاف ويحذر . بيّن لنا لنكون على علم وبصيرة .
قال : نعم ، أرأيت أيها الملك ، إن تمّ ما أشير به عليك من وجه نجاة هذه البهائم من أبدي بني آدم وهربها من أيديهم ، أليس بنو آدم من الغد يصبحون وقد رأوا حادثا عظيما من فرار هذه البهائم وهربها من ديارهم ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 226
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٢٦