تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨

فصل في بيان العداوة بين بني الجان وبين بني آدم وكيف كانت

قال الحكيم : نعم ، إن بين بني آدم وبني الجان عداوة طبيعية ، وعصبيّة جاهليّة ، وطباعا متنافرة يطول شرحها . قال الملك : اذكر منها طرفا ، وابتدئ من أوله . قال الحكيم : فاعلم أن بني الجانّ كانت في قديم الأيام والأزمان قبل آدم أبي البشر ، عليه السلام ، سكّان الأرض وقاطنيها ، وكانوا قد طبّقوا الأرض برّا وبحرا ، سهلا وجبلا ، فطالت أعمارهم وكثرت النعمة لديهم ؛ وكان فيهم الملك والنبوّة والدين والشريعة ، فطغت وبغت وتركت وصيّة أنبيائها ، وأكثرت في الأرض الفساد ، فضجّت الأرض ومن عليها من جورهم . فلما انقضى الدور واستؤنف القرآن ، أرسل اللّه تعالى جندا من الملائكة نزلت من السماء ، فسكنت الأرض وطردت بني الجانّ إلى أطراف الأرض منهزمة ، وأخذت سبيا كثيرا منها ، وكان فيمن أخذ أسيرا عزازيل إبليس اللعين فرعون آدم ، وهو إذ ذاك صبيّ لم يدرك . فلما نشأ مع الملائكة تعلم من علمها ، وتشبّه بها في ظاهر الأمر ، وأخذ من رسومه وجوهره غير رسومها وجوهرها . ولما طالت الأيام صار رئيسا فيها آمرا ناهيا متبوعا حينا ودهرا من الزمان والدهر . فلما انقضى الدور واستؤنف القرآن أوحى اللّه إلى أولئك الملائكة الذين كانوا في الأرض ، فقال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة من غيركم ، وأرفعكم إلى السماء . فكرهت الملائكة الذين كانوا في الأرض مفارقة الوطن المألوف ، وقالت في مراجعة الجواب : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كما كانت بنو الجانّ ، ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك ؟ قال : إني أعلم ما لا تعلمون ، لأني آليت على نفسي أن لا أترك على وجه الأرض أحدا من الملائكة ولا من الإنس ولا من سائر الحيوان . ولهذه اليمين سرّ قد بيّنّاه في موضع آخر . فلما
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 228 | إخوان الصفاء