تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
قال الأرنب : نعم ولكن لها ، مع هذه الخصال المحمودة والأخلاق الجميلة ، عيب كبير يغطّي هذه الخصال كلها . فقال الملك : ما هو ؟ بيّن لي ! قال : الجهالة وقلّة معرفة بالحقيقة ، وذلك أنه يعدو تحت عدو صاحبه الذي لم يره قطّ في الهرب ، مثل ما يعدو تحت صاحبه الذي ولد في داره وتربّى في منزله في الطلب ؛ ويحمل عدوّ صاحبه إليه في طلبه كما يحمل صاحبه في طلب عدوّه ؛ وما مثله في هذه الخصال إلّا كمثل السيف الذي لا روح فيه ولا حسّ ولا شعور ولا معرفة ، فإنه يقطع عنق صيقله كما يقطع عنق من أراد كسره وتعويجه وعيبه ، إنه لا يعرف الفرق بينهما . ثم قال الأرنب : ومثل هذه الخصال موجودة في بني آدم ، وذلك أن أحدهم ربما يعادي والديه وصاحبه وإخوانه وأقرباءه ويكيدهم ويسيء إليهم مثل ما يفعله بالعدوّ البعيد الذي لم ير منه برّا ولا إحسانا قط . وذلك أن هؤلاء الإنس يشربون ألبان هذه الأنعام كما يشربون ألبان أمهاتهم ، ويركبون ظهور هذه البهائم كما يركبون أكتاف آبائهم صغارا ، وينتفعون بأصوافها وأوبارها وأشعارها . أثاثا ومتاعا إلى حين ؛ ثم آخر الأمر يذبحونها ويسلخونها أو يشقّون أجوافها ، ويقطعون مفاصلها ، ويذيقونها نار الطبخ والشّيّ ، ولا يرحمونها ولا يذكرون إحسانها إليهم وما نالوا من فضلها وبركتها . فلما فرغ الأرنب من لومه الإنس والخيل وما ذكر من عيوبهم ، قال الحمار : لا تكثر من اللوم ، فإنه ما من أحد من الخلق أعطي فضائل ومواهب جمة إلّا وقد حرم ما هو أكثر منها ؛ وما من أحد حرم مواهب إلّا وقد أعطي شيئا لم يعطه غيره ، لأن مواهب اللّه كثيرة لا يستوفيها كلّها شخص واحد ولا نوع ولا جنس واحد ، بل فرّقت على الخلق طرّا ، فمكثر ومقلّ ، وما من شخص آثار الربوبيّة فيه أظهر إلّا ورق العبودية