فصل في بيان تفضيل الخيل على سائر البهائم وغيرها
قال الإنسيّ للأرنب : أقصر فقد أكثرت اللوم والذم للخيل ، ولو علمت أنها خير حيوان سخّرته الإنس ، لما تكلمت بهذا الكلام .
قال الملك للإنسيّ : وما تلك الخيريّة التي قلتها ؟ اذكرها .
قال : خصال محمودة ، وأخلاق مرضيّة ، وسيرة عجيبة ، من ذلك حسن صورتها ، وتناسب أعضاء أبدانها ، وبنية هيكلها ، وصفاء لونها ، وحسن شعرها ، وسرعة عدوها ، وطاعتها لفارسها ، كيف شاء وكيف أراد صرفها ، انقادت له يمنة ويسرة ، وقداما وخلفا في الطلب والهرب ؛ وذكاء نفسها ، وجودة حواسّها ، وحسن آدابها ، ربما لا تبول ولا تروث ما دام راكبها عليها ، ولا تحرّك ذنبها إذا ابتلّ شعر ذنبها لئلا يصيب صاحبها ، ولها قوّة الفيل وتحمل راكبها بخوذته وجوشنه « 1 » وسلاحه ، مع ما لها من السّرج واللّجام والتجافيف « 2 » وآلة الحديد نحو ألف رطل عند سرعة العدو ، ولها صبر الحمار عند اختلاف الطعن في صدرها ونحرها في الهيجاء ، وسرعة عدوها في الغارات والطّلب كحملات السّرحان ، وتمشي كمشي السّنّور في التبختر ، وهرولة كذئب يتنقّل ، وعطفات أيضا كعطفات جلمود الصخر إذا حطّه السيل ، ومبادرة للعدوّ في الرّهان كمن يطلب الحلبة « 3 » .
هامش
( 1 ) الجوشن : الدرع .
( 2 ) التجافيف : جمع تجفاف ، وهو آلة كالدرع يلبسها الفرسان ويلبسونها خيولهم وقاية لهم ولها في الحرب .
( 3 ) الحلبة : الدفعة من الخيل في الرهان .