تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وتناسلت أولادهما ، وامتلأت الأرض منهم سهلا وجبلا ، وبرّا أو بحرا إلى يومنا هذا . ثم اعلم يا أخي بأن الحيوانات كلّها متقدّمة الوجود على الإنسان بالزمان ، لأنها له ولأجله ، وكلّ شيء هو من أجل شيء آخر فهو متقدّم الوجود عليه . هذه الحكمة في أوّلية العقل لا تحتاج إلى دليل من المقدّمات ونتائجها ، لأنه لو لم يتقدّم وجود هذه الحيوانات على وجود الإنسان لما كان للإنسان عيش هنيء ، ولا مروءة كاملة ، ولا نعمة سائغة ، بل كان يعيش عيشا نكدا ، فقيرا بائسا بسوء الحال كما سنبيّن بعد هذا في فصل آخر ، عند فراغ زعيم أهل المدن من خطابهم وكيفيّة أحوالهم ، كيف تكون عند فقدان الحيوانات .

فصل

واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن صور النبات منكوسة الانتصاب إلى أسفل ، لأن رءوسها نحو مركز الأرض ، ومؤخّرها نحو محيط الأفلاك ، والإنسان بالعكس من ذلك ، لأن رأسه مما يلي الفلك ، ورجليه مما يلي مركز الأرض ، في أي موضع وقف على بسيطها شرقا وغربا ، وجنوبا وشمالا من الجوانب كلها ، ومن هذا الجانب ومن ذلك الجانب . والحيوانات متوسّطة بين ذلك لا منكوسة كالنبات ، ولا منتصبة كالإنسان ، بل رءوسها إلى الآفاق ، ومؤخّرها إلى ما يقابله من الأفق الآخر كيف ما دارت وتصرّفت في جميع أحوالها . وهذا الوضع والترتيب الذي ذكرنا من أمر النبات والحيوانات والإنسان أمر إلهيّ بواجب الحكمة الإلهية والعناية الربانيّة ليكون في ذلك دلالة وبيان لأولي الأبصار والناظرين في أسرار الخلقة ، والباحثين عن حقائق الأشياء ، والمعتبرين بما في الأرض من الآيات والعلامات والدلالات بأن قوى النفس الكليّة المنبثّة في العالم من أعلى فلك المحيط إلى