آفاق البلاد ، و . شرقت على جو الهواء ، وأضاءت على وجه الأرض ، حميت مياه البحار والأنهار ، ولطفت أجزاؤها وصارت بخارا لطيفا خفيفا ، وارتفعت في الهواء في جوّ السماء ، حتى إذا بلغت إلى سطح الزّمهرير ، وجاوزت كرة النسيم ، بردت هناك ، واجتمعت ووقفت وغلظت وتراكمت ، وصارت غيوما وسحابا وضبابا وطلّا وصقيعا ، وتراكمت وساقتها الرياح إلى رؤوس الجبال ووجوه البراري والقفار والقرى والسوادات والمزارع ، وهطلت هناك الأمطار ، وابتلّ وجه الأرض ، وشرب التراب رطوبة الماء ، واختلطت أجزاؤه واتحدت ؛ فإذا طلعت الشمس على وجه الأرض وسخّنتها حيث تلك الأجزاء المائيّة ، جفّت وأخذت ترتقي من قعر الأرض إلى وجهها ، ورفعت معها تلك الأجزاء الأرضيّة المتحدة بها إلى ظاهر سطح الأرض ، ثم إن قوى النفس البسيطة التي هي دون فلك القمر السارية في الأركان تصوّر من تلك المادة أنواع النبات بفنون أشكالها وألوان أصباغها ، كما يعمل الصّنّاع البشريّون في أسواق المدن فنون المصنوعات من الهيوليات الموضوعات في صناعتهم المعروفة ، كما بيّنا في رسائلنا .
واعلم يا أخي بأن قوى النفس الكلّيّة الفلكية البسيطة التي ذكرنا أنها تعمل أجناس النبات وأنواعها هي التي ذكرت في كتب الأنبياء ، عليهم السلام ، أنها ملائكة اللّه وجنوده الموكّلون بها ، وذكر أنه قد ورد في الأخبار المتواترة أن مع كلّ ورقة وثمرة وحبّة تخرجها الأرض من النبات ملكا موكّلا يربّيها وينشئها ويحفظها من الآفات العارضة لها ، إلى أن تتمّ وتكمل وتبلغ إلى أقصى مدى غاياتها ومنتهى نهاياتها : كلّ ذلك بإذن اللّه خالقها وبارئها . وكذلك حكم الحيوانات أجمع كما ذكر اللّه ، جلّ ثناؤه ، بقوله : «
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
» ونحن نسمّي ما كان منها موكّلا بالنبات النفس النباتية . واعلم يا أخي أن اللّه ، جلّ ثناؤه ، قد أيّد النفس النباتية بسبع قوى فعّالة وهي القوة الجاذبة ،