تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
الأرض وتخلّلت أجزاء الأركان ، وامتزج بعضها ببعض ، وسرت تلك القوى فيها ، يتكوّن من امتزاجها ضروب المتولّدات الكائنات من الحيوان والمعادن والنبات ، والمختلفة الأجناس ، المفننة الأنواع ، المتغايرة الأشخاص ، لا يعلم كثرة عددها واختلاف أحوالها إلّا اللّه سبحانه . ثم إن تلك القوى إذا بلغت أقصى مدى غاياتها ، وتمام نهاياتها المقصودة منها ، عطفت عند ذلك راجعة نحو المحيط فيكون سببا لبعث النفوس ونشر الأرواح ، إمّا بربح وغبطة ، وإمّا بخسران وندامة ، كمثل الراجعين من تجار الحاجّ إمّا بربح وغفران أو بندامة وخسران . فانظر يا أخي وتفكّر كيف يكون انصرافك من عالم الكون والفساد إلى عالم الأفلاك التي جاءت من نفسك ، واعتبر نسبة إلى الحجّاج إذا قضوا مناسكهم كيف ينصرفون مشتاقين إلى بيوتهم وأوطانهم . واعلم يا أخي أن جميع مناسك الحج وفرائضه أمثال ضربها اللّه ، عزّ وجلّ ، للنفوس الإنسانية الواردة عن عالم الأفلاك وسعة السّماوات إلى عالم الكون والفساد لكيما يتفكّر العاقل ويعتبر وينبّه نفسه من سنة الغفلة ورقدة الجهالة ؛ وتذكر مبدأها ومعادها وتشتاق فترجع كما جاءت وتجيب الداعي إذا ناداها : «
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
» فنقول : لبّيك اللهمّ لبّيك ! واعتبر يا أخي كيفيّة انصراف الحجّ إلى بلدانهم ، فإنك ترى لأهل كلّ بلد قافلة وطريقا يمرّون فيها متعاونين ذاهبين وراجعين ، فهكذا وردت النفوس إلى هذا العالم في كل أمة بدلالة كوكب وبرج في قران ، ولا تنصرف من الدنيا إلّا بدين ومذهب ، ويكون زاد كلّ نفس ما كسبت من خير وشرّ ، فلا تظنّ يا أخي أنك تقدر على أن ترجع بنفسك وحدها . واعلم أن الطريق بعيدة ، والشياطين بالمرصاد قعود كقطّاع الطريق ، فاعتبر ، فكما أنك لا تقدر على أن تعيش وحدك إلّا عيشا نكدا ، ولا تجد