واعلم أن الأجسام التي دون فلك القمر نوعان بسيطة ومركّبة ، فالبسيطة أربعة أنواع ، وهي النار والهواء والماء والأرض . والمركّبة ثلاثة أنواع ، وهي المعادن والنبات والحيوانات . وهذه القوة ، أعني الطبيعة ، سارية فيها كلّها ، ومحرّكة ومسكّنة ومدبّرة لها ، ومتمّمة ومبلّغة لكل واحدة منها إلى أقصى مدى غاياتها ، بحسب ما يليق بواحدة واحدة منها ، كما شاء باريها ، وكما بيّنا في الرسائل الخمس ، وهي رسالة الكون والفساد ، ورسالة الآثار العلويّة ، ورسالة المعادن ، ورسالة النبات ، ورسالة الحيوان .
واعلم أن النفس الكلّيّة هي روح العالم ، كما بيّنا في الرسالة التي ذكرنا فيها أن العالم إنسان كبير ، والطبيعة هي فعلها ، والأركان هي النار والهواء والماء والأرض ، وهي الهيولى الموضوعة لها ، والأفلاك والكواكب كالأدوات لها ، والمعادن والنبات والحيوانات كلّها مصنوعاتها .
واعلم يا أخي أن الصّنّاع البشريين يعملون أعمالهم بأبدانهم وأيديهم وأرجلهم ، وهي كلّها مصنوعات للطبيعة ، كالخشب والحديد والقطن والحبّ وما شاكلها ، كما بيّنا في رسالة الصنائع العملية ، ويظهرون صنائعهم بأدوات اتّخذوها من مصنوعات الطبيعة أيضا ، كالفأس والمنشار والإبرة والقلم وما شاكلها ، فهيولاهم وأدواتهم خارجة من ذواتهم . وأما الطبيعة فهيولاها من ذاتها التي هي الأركان الأربعة ، وهي لها بمنزلة الأربعة الأخلاط في بدن إنسان واحد ، وهي سارية فيها كلّها ، وصانعة منها وفيها مصنوعاتها ؛ ومصنوعاتها أيضا ليست بخارجة من ذاتها ، وهي كلّها كالأعضاء في جسد حيوان واحد ، وهي ثلاثة أجناس : معادن ونبات وحيوان ، وكلّ جنس منها تحته أنواع ، وكلّ نوع تحته أنواع ، إلى أن تنتهي أنواع تحتها أشخاص . فأما الأنواع والأجناس فهي محفوظة معلومة صورها في الهيولى ، وأما الأشخاص فهي غير معلومة ولا محفوظة فيها ، والعلّة في حفظ صور الأجناس والأنواع في الهيولى هي ثبات عللها الفلكية ، وأما تغيير
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 133
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٣٣