فلمّا حصل من يعترضها « 12 » ، وخرجت فغنّتكم ، لحقني من القلق والبكاء لفراقها أمر عظيم ، فدخلت إليّ ، وقالت : يا هذا ، ما أعجب أمرك ، أنت مللتني ، وأردت بيعي وفراقي ، وتبكي هذا البكاء ؟
فقلت لها : يا هذه ، إنّ فراق نفسي أسهل عليّ من فراقك ، وإنّما أردت أن تتخلّصي من هذا الشقاء .
فقالت : واللّه ، لو ملكت منك ما ملكت منّي ، ما بعتك أبدا ، وأموت جوعا وعريا ، فيكون الموت هو الذي يفرّق بيننا .
فقلت : أتريدين أن تعلمي صدق قولي ؟
قالت : نعم .
قلت : هل لك [ 243 م ] أن أخرج الساعة إلى المشتري فأعتقك بين يديه وأتزوّجك ، ثم أصبر معك على ما نحن فيه إلى أن يأذن اللّه تعالى بفرج أو موت ؟
فقالت : إن كان قولك صادقا ، فافعل ما بدا لك من هذا ، فما أريد غيره .
فخرجت إليكم فكان منّي ما قد علمتم ، فاعذروني .
فقال جعفر الوزير : أنت معذور ، ونهض ، ونهضت معه ، والنخّاس معنا .
فلما قدّم حماره ليركب ، دنوت منه ، وقلت : يا سبحان اللّه ، مثلك في جودك ، يرى مثل هذه المكرمة ، فلا ينتهز الفرصة فيها ؟ واللّه ، لقد تقطّع قلبي عليهما .
فقال : ويحك ، وقلبي - واللّه - كذلك ، ولكنّ غيظي من فوت الجارية إيّاي يمنعني من التكرّم عليه .
فقلت : وأين الرغبة في الثواب ؟
فقال : صدقت واللّه .
هامش
( 12 ) اعترض : أي عرض الشيء عليه ، فأبصره وشاهده ، ومنه اعتراض القائد الجيش ، وهو ما يسمّى الآن بالاستعراض .