فقرّر الصداق ، وخطب ، وزوّجها به ، ثم أقبل على الفتى ، وقال له :
ما حملك على [ 242 م ] هذا ؟
فقال : حديثي طويل ، إن نشطت له حدّثتك به .
فقال : لا أقلّ من أن نسمعه ، فلعلّنا أن نبسط عذرك .
فقال : أنا فلان ابن فلان ، وكان أبي من وجوه أهل هذا البلد ، ومياسيره ، وهذا عارف بذلك ، وأومأ إلى النخّاس .
وأسلمني أبي إلى الكتّاب « 7 » ، وكانت لأمّي صبيّة قريب سنّي من سنّها ، وهي جاريتي هذه ، وكانت معي في المكتب ، تتعلّم ما أتعلّم ، وتنصرف معي .
فبلغت ، ثم بطلت « 8 » من الكتّاب ، وتعلّمت الغناء ، فكنت لمحبّتي لها أتعلّمه معها ، وتعلّق قلبي بها ، وأحببتها حبّا شديدا .
وبلغت أنا أيضا ، فخطبني وجوه أهل البصرة لبناتهنّ ، فخيّرني أبي ، فأظهرت له الزهد في التزويج ، ونشأت متوفّرا على الأدب ، متقلّبا في نعم أبي ، غير [ 92 ن ] متعرّض لما يتعرّض له الأحداث « 9 » ، لتعلّق قلبي بالصبيّة ، ورغبة أهل البلد تزداد فيّ ، وعندهم أنّ عفّتي لصلاح ، وما كانت إلّا لتعلّق قلبي بالجارية ، وأنّ شهوتي لا تتعدّاها لأحد .
وبلغ حذقها في الغناء إلى ما قد سمعتموه ، فعزمت أمّي على بيعها ، وهي لا تعلم ما في نفسي منها ، فأحسست بالموت ، واضطررت إلى أن حدّثت أمي عن الصورة ، فحدّثت أبي ، فاجتمع رأيهما على أن وهبا لي الجارية ، وجهّزاها
هامش
( 7 ) الكتّاب : موضع تعليم الصغار .
( 8 ) في م : عطلت عن الكتّاب ، وقد اخترت التعبير الوارد في ر ، لأنّ هذا التعبير ما زال مستعملا في بغداد ، يقول التلميذ إذا ترك المدرسة : بطّلت من المدرسة .
( 9 ) الأحداث : الشّبان الصغار ، المفرد ، حدث ، بالفتح ، والبغداديّون يخصّون به الفتاة الصغيرة تحبّبا ، فيقولون : حديثة ، بالتّصغير .