اتّباعك إيّاه إلى هاهنا ، فيطلق لك نفقة ، ونحن مضيقون .
فعلمت أنّ الصواب في لقائه ، فأقمت ، وبكرت من غد ، فدخلت إليه ، فعاتبني على انقطاعي عنه .
وقال : أنا مفكّر في أمرك ، وقد غمّني طول تعطّلك ، مع قصدك إيّاي من بغداد ، ومسيرك معي إلى ها هنا ، ثمّ التفت إلى كاتب بين يديه ، فقال : أكتب له كتاب التقليد ، للإشراف على الضياع بديار مضر « 4 » ، وأحل النفقة على الثغور الجزريّة [ 171 غ ] ، واستقبل برزقه ، وهو مائة وخمسون دينارا ، في كلّ شهر ، الوقت الّذي جاءنا فيه إلى الموصل « 5 » .
قال : فشكرته ، واضطربت من قلّة الرّزق .
فقال : إقبل هذا ، ولا تخالفني ، إلى أن يسهّل اللّه - جلّت عظمته - غيره ، فقمت مفكّرا ، من أين أصلح أمري ، وأتحمّل إلى العمل ، وأنفق إلى أن أصل إليه .
قال : فما خرجت من الدّار حتّى ردّني ، فقال : بالباب قوم يحتاج إلى إثباتهم ، فاجلس ، وأثبتهم ، واعمل لهم جرائد « 6 » بأسمائهم ، وحلاهم « 7 » ، وأرزاقهم ، واستقبالاتهم ، وجئني بها .
فتشاغلت بذلك يومين ، وثلاثة ، وجئت بالجرائد ، فلمّا وقف عليها أعجبته ، وقال : أرى عملك ، عمل فهم بالجيش .
فقلت : ما عملته قط إلّا مرّة واحدة .
هامش
( 4 ) ديار مضر : المنطقة التي تشمل السهل الواقع شرقي الفرات نحو حرّان والرقّة وشمشاط وسروج وتل موزن ( معجم البلدان 2 / 637 ) .
( 5 ) يعني أنّه أمر الكاتب أن يحتسب للرجل رزقه ، أي راتبه الشهري ، اعتبارا من تاريخ خروجه معه من الموصل ، لا من تاريخ مباشرته بالعمل الذي أناطه به .
( 6 ) الجريدة : القائمة .
( 7 ) الحلى ، بضم الحاء وكسرها ، مفردها : الحلية وتعني شكل الإنسان ، ولونه ، وهيأته .