فقلت لصديقي : إنّه لم تبق معي نفقة ، ولا فيّ فضل للخروج إلى مصر ، فأعطاني من نفقته .
وقد كان صديقي تقلّد من قبل العامل عملا جليلا ، وخرج إليه ، وأقمت أنا بنصيبين ، وأقام العامل بها ، ليصلح أمره ويخرج إلى مصر ، وعملت أنا على أن أتحمّل بما أعطانيه صديقي ، وأرجع إلى بغداد « 3 » .
فغلب عليّ ضيق الصدر ، والهمّ ، واستدعيت المزيّن ليصلح شعري ، فهو بين يديّ ، إذ دخل عليّ غلام العامل ، فقال : صاحبي يطلبك ، وقد قلبنا عليك الدنيا منذ أمس ، فلم نعرف منزلك إلّا الساعة .
ففرغت من شغلي مع المزيّن ، وتوضّأت ، وركبت ، وكان يوم الجمعة ، فلمّا صرت في دار العامل ، لقيني غلامه ، وكان حاجبه ، فقال : نحن في طلبك منذ أمس ، فلم توجد ، وقد قام الآن عن مجلسه ، وأخذ في التشاغل بأمر الصلاة ، ولكن بكّر في غد .
قال : فضعف في نفسي ، وقلت : إنّه ما أرادني لخير ، وعملت على أن أنحدر تلك العشيّة إلى بغداد .
فلم يدعني غلامي ، وقال : أقلّ ما في الأمر ، أن يكون الرّجل قد تذمّم من
هامش
( 3 ) بغداد : حاضرة العراق الآن ، وعاصمة العبّاسيّين الزاهرة ، وعاصمة العالم الإسلامي مدّة طويلة من الزمان ، قال عنها ياقوت : إنّها أمّ الدنيا ، وسيّدة البلاد ( معجم البلدان 1 / 677 ) ، وقال عنها أبو إسحاق الزجّاج : بغداد حاضرة الدنيا ، وما سواها بادية ( لطائف المعارف 170 ) وقال عنها اليعقوبيّ :
بغداد وسط الدنيا ، وسرّة الأرض ( البلدان 233 ) وقال عنها المقدسي : مصر الاسلام ، ومدينة السلام ( أحسن التقاسيم 119 ) وقال عنها ابن بطّوطة : مدينة دار السلام وحضرة الاسلام ، ذات القدر الشريف ، والفضل المنيف ( مهذب رحلة ابن بطّوطة 1 / 172 ) ، للتفصيل ، راجع دائرة المعارف الاسلامية 4 / 3 - 21 ومعجم البلدان 1 / 677 - 693 ولطائف المعارف 170 - 173 والبلدان لليعقوبي 233 - 254 وأحسن التقاسيم للمقدسي 119 - 122 ومهذب رحلة ابن بطّوطة 1 / 172 - 177 ورحلة ابن جبير 173 - 184 وتاريخ بغداد للخطيب 1 / 3 - 131 وكتاب بغداد مدينة السلام ، إخراج نقابة المهندسين العراقيّين سنة 1969 ، وكتاب دليل خارطة بغداد قديما وحديثا تأليف الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسه .