فلمّا صرت في بعض الممرّات وأنا رجل طويل مبدّن « 3 » ، وكنت قد حلقت رأسي ، وعليه منديل خفيف ، قد أطارته الرّيح ، فانكشف ، ولعلّة انشغال قلبي بأمري لم أردّ المنديل .
وإذا بصفعة قد جاءت ، كادت تكبّني على وجهي ، وتوالت بعدها اثنتان .
فالتفتّ ، فإذا العبّاس بن عمرو ، وقد خرج إلى موضع من مواضع الدّار ، وكان مشتهرا بالمصافعة « 4 » ، مكاشفا بها ، هو ، وجماعة من قوّاد المعتضد ، أصدقاء ، أخلّاء ، يستعملون ذلك ، ويكاشفون به .
فقبضت على يده ، وقلت : ما هذا أيّها الأمير ؟ ما أفارقك ، أو تعطيني شيئا أنتفع به عوضا عن هذا الفعل .
فدافعني ، وأنا متشبّث به ، وسقط الكتاب من كمّي ، فقال : ما هذا الكتاب .
قلت : كتاب ، كتب لي عنك إلى فلان ، لأخرج إليه ، فلعلّي أتصرّف معه ، أو يبرّني بشيء .
فقال : هو ذا ، أكتب لك عليه سفتجة بالصفع ، فإنّه يفتديها منك بما تنتفع به .
واستدعى دواة ، وكتب لي إلى الرجل سفتجة « 5 » ، كما يكتب التّجار ، بثلاث مكتوبات ، كناية عن ثلاث صفعات .
فأخذت الكتاب ، وانصرفت متعجّبا ممّا جرى عليّ ، ومن حرفتي في
هامش
( 3 ) المبدّن : بتشديد الدال : السمين الجسم ، والبغداديّون الآن يقولون : مبدن ، بلا شدّة .
( 4 ) المصافعة : انظر التفصيل في آخر القصّة .
( 5 ) السفتجة : الحوالة التجارية ، وهي أن تعطي مالا لرجل ، فيعطيك خطا يمكّنك من استرداد ذلك المال من عميل له في مكان آخر ، وإذا كان الخطّ يشترط أداء المال في وقت مؤجّل ، فهي سفتجة بأجل ، وما زال هذا اسمها ببغداد ، وفي القانون التجاري العراقي كذلك .