وجعل المسك في كمّه ، والصينيّة [ 157 م ] في خفّه ، والملك يراه .
وخرج ، وعاد إلى منزله ، وردّ العواري إلى أهلها ، وباع المسك ، وكسر الصينية ، وجعلها دنانير ، واتّسع بها حاله .
وأفاق الملك - من غد - من سكره ، وسمع من يخدم في الشراب يطلب الصينيّة ، وقهرمان الدار يضرب قوما في طلبها ، فذكر حديث الحاجب ، وعلم أنّه ما حمل نفسه على الغرر الشديد في ذلك ، إلّا من وراء شدّة وضرّ .
فقال لقهرمانه : لا تطلب الصينيّة ، فما لأحد في ضياعها ذنب ، فقد أخذها من لا يردّها ، ورآه من لا ينمّ عليه .
فلمّا كان بعد سنة ، عاد ذلك الحاجب ، إلى شدّة الإضاقة ، بنفاد الدنانير ، وبلغه خبر سماط يكون عند الملك ، في غد يومه ، فاحتال بحيلة أخرى ، حتى دخل إلى حضرة الملك ، وهو يشرب .
فلمّا رآه الملك ، قال : يا فلان ، نفذت تلك الدنانير ؟ .
فقبّل الأرض بين يديه ، وبكى ، ومرّغ خدّيه ، وقال : أيّها الملك ، قد احتلت مرّتين ، على أن تقتلني فأستريح ممّا أنا فيه ، من عظم الضرّ الّذي أعانيه ، أو تعفو عنّي كما يليق بك ، وتذكر خدمتي « 2 » ، فأعيش في ظلّك ، وليست لي بعد هذا اليوم حيلة .
فرقّ له الملك ، وعفا عنه ، وأمر برد أرزاقه عليه ونعمته ، وردّه إلى حالته الأولى في خدمته « 3 » .
هامش
( 2 ) في م : وتذكر حرمتي .
( 3 ) لم ترد هذه القصّة في غ ، ووردت باختصار في البصائر والذخائر م 2 ق 2 ص 708 .