299 بين الأصمعي والبقال الّذي على باب الزقاق
وجدت في بعض الكتب عن الأصمعي ، قال :
كنت بالبصرة ، أطلب العلم ، وأنا مقلّ ، وكان على باب زقاقنا « 1 » بقّال ، إذا خرجت باكرا [ 187 ظ ] يقول لي : إلى أين ؟ فأقول : إلى فلان المحدّث ، وإذا عدت مساء ، يقول لي : من أين ؟ فأقول : من عند فلان الأخباريّ ، أو اللّغوي .
فيقول : يا هذا ، اقبل وصيّتي ، أنت شابّ ، فلا تضيّع نفسك ، واطلب معاشا يعود عليك نفعه ، وأعطني جميع ما عندك من الكتب ، حتّى أطرحها في الدنّ ، وأصبّ عليها من الماء للعشرة أربعة ، وأنبّذه ، وأنظر ما يكون منه ، واللّه ، لو طلبت منّي ، بجميع كتبك ، جرزة بقل « 2 » ، ما أعطيتك .
فيضيق صدري بمداومته هذا الكلام ، حتّى كنت أخرج من بيتي ليلا ، وأدخله ليلا ، وحالي - في خلال ذلك - تزداد ضيقا ، حتّى أفضيت إلى بيع آجرّ أساسات داري ، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي ، وطال شعري ، وأخلق ثوبي ، واتّسخ بدني .
فأنا كذلك ، متحيّرا في أمري ، إذ جاءني [ 159 ر ] خادم للأمير محمّد بن سليمان الهاشمي « 3 » ، فقال : أجب الأمير .
هامش
( 1 ) الزقاق : الطريق الضيّق ، ولذلك سمي مجاز البحر الذي بين طنجة والجزيرة الخضراء ، بالزقاق ، لضيقه : إذ أنّ عرضه لا يتجاوز اثني عشر ميلا ( معجم البلدان 3 / 936 ) أقول : اسمه الآن مضيق جبل طارق ، ما بين المغرب العربي وإسبانيا .
( 2 ) الجرزة : الحزمة .
( 3 ) أبو عبد اللّه محمد بن سليمان بن علي العبّاسي ( 122 - 173 ) : أمير البصرة ، وليها في أيام المهدي ، ثم عزله ، وأعاده الرشيد ، وزوّجه أخته العبّاسة ، واستمرّ على ولايته البصرة ، إلى أن توفّي [ الأعلام 7 / 19 ]