فقلت : ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى ؟ .
فلمّا رأى سوء حالي ، وقبح منظري ، رجع فأخبر محمّد بن سليمان بخبري ، وعاد إليّ ، ومعه تخوت ثياب « 4 » ، ودرج فيه بخور « 5 » ، وكيس فيه ألف دينار .
وقال : قد أمرني الأمير ، أن أدخلك الحمّام ، وألبسك من هذه الثياب ، وأدع باقيها عندك ، وأطعمك من هذا الطعام ، وإذا بخوان كبير فيه صنوف الأطعمة ، وأبخّرك ، لترجع إليك نفسك ، ثمّ أحملك إليه .
فسررت سرورا شديدا ، ودعوت له ، وعملت ما قال ، ومضيت معه ، حتّى دخلت على محمّد بن سليمان ، فسلّمت عليه ، فقرّبني ، ورفعني .
ثمّ قال : يا عبد الملك ، قد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين ، فاعمل على الخروج إلى بابه ، وانظر كيف تكون ؟ .
فشكرته ، ودعوت له ، وقلت : سمعا وطاعة ، سأخرج شيئا من كتبي وأتوجّه .
فقال : ودّعني ، وكن على الطريق غدا .
فقبّلت يده ، وقمت ، فأخذت ما احتجت إليه من كتبي ، وجعلت باقيها
هامش
( 4 ) التخت : وعاء من خشب أو نسيج تصان فيه الثياب ، قاله كورگيس عواد في الديارات 280 .
( 5 ) البخور : مادة صمغية ، إذا أحرقت فاحت منها رائحة طيبة ( المنجد ) ، وكان البخور في العصور الوسطى ، من الضروريات ، لا يكاد يخلو منه بيت ، وكيفية استعماله : أن يوضع في المبخرة .
ويؤرّث ، حتى يتصاعد دخانه ، ثم يوضع تحت ذيل المتبخّر ، لتعبق ثيابه بالرائحة ، وكانوا يغالون في أثمان البخور ، ويتأنّقون فيه ، ويخلطون أنواعا منه ، ليكون ريحها أعيق ، وكانوا يركّبون من ثلاثة أصناف منه بخورا طيّب الرائحة جدا ، يسمّونه المثلّثة ، اقرأ في الأغاني 10 / 189 وفي الهفوات النادرة 380 خبر المثلّثة الّتي أعدت ليعقوب بن المهدي العبّاسي ، وراجع بعض وصفات البخور المخلوط في مطالع البدور 1 / 63 و 64 ، وكان للظرفاء بخور خاص ، وهو العود المعنبر بماء القرنفل المخمّر ، والندّ السلطاني ( الموشى في الظرف والظرفاء 182 ) ، أمّا الآن ، فإنّ البخور يكاد أن ينقرض ، ولا يرى إلّا في المعابد ، وفي الاحتفالات الدينيّة ، وفي المآتم .