فقلت : فما ذنبي حتّى غضب عليّ ، وأيّ شيء جرى منّي حتّى أوجب الّذي أن يفعل بي هذا ؟ .
قال [ جزاؤك أن ] : يضرب وسطك ، وتصلب نصفا في جانب ، ونصفا في جانب .
فقلت : العجب منّي حيث صرت إليك ، ونهضت ، وخرجت .
وقصعت طريقي بالهمّ ، والغمّ ، ممّا دفعت إليه ، وأنّي لا آمنهم ، مع غيبتي ، على السعاية « 5 » عليّ .
فبينما أنا في عشيّة يوم ، على باب الدّار الّتي نزلتها ، جالسا على كرسي ، إذ أقبل إليّ مولى لي ، فقال لي سرّا : قد قتل جعفر بن يحيى البرمكي .
فتوهّمت أنّه هو أمره بذلك ليجد عليّ حجّة ينكبني بها ، فبطحته ، وضربته ثلاثمائة مقرعة ، وحبسته ، وبتّ بليلة طويلة على السّطح في داري .
فلمّا كان في السّحر ، إذا صوت حلق البريد « 6 » ، فارتعت ، ونزلت عن السّطح .
وقلت في نفسي : إن هجم عليّ صاحب البريد فهي بليّة ، وإن ترجّل لي ففرج .
فلمّا بصر بي صاحب البريد ترجّل لي ، فطابت نفسي ، ودفع إليّ كتابا من الرّشيد ، يخبرني فيه بقتله جعفر ، وقبضه على البرامكة ، ويأمرني بالشخوص إلى حضرته .
فشخصت ، فلمّا وصلت إليه ، عاملنى من الإكرام والإنعام بما زاد على أمنيتي .
هامش
( 5 ) السعاية : النميمة ، والوشاية .
( 6 ) في م : خلق البريد ، وفي ر ، وظ : على البريد ، وأحسب أنّ الصحيح ما أثبته ، وحلق البريد تتّخذ من النحاس ، وإذا ضربت الواحدة الأخرى ، سمع لها وتين خاص به يعرف البريد ، فلا يعطّل سيره ولا يؤخّر استقباله .