الآخرة كاسدة ، فاستكثر منها في أوان كسادها ؛ فإنّه لو جاء أوان نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير « 1 » .
قال أبو حاتم - رحمه اللّه « 2 » - : الدّنيا بحر طامح « 3 » ، والنّاس في أمواجها يعومون ، وهي « 4 » أمثال تضربها الأيّام للأنام - وما أكثر أشباهها بما « 5 » منها - لأنّ كلّ ما يصير إلى فناء منها يشبهها ، فمن أوتي من الدّنيا أشياء ثلاثة ، فقد أوتي الدّنيا بحذافيرها : الأمن ، والقوت ، والصّحّة . لا يغترّ بشيء منها إلّا كلّ خدّاع ، ولا يركن إليها إلّا كلّ منّاع .
فالعاقل يعلم أنّ ما لم يبق لغيره عليه غير باق ، وأنّ ما سلب عن غيره لا يترك عليه ، فالقصد إلى ما يعود بالنّفع في الآخرة للعاقل من الدّنيا ، أحرى من السّلوك في قصد الضّنّ بها ، والجمع لها من غير تقديم ما يقدم عليه في الآخرة من الأعمال الصّالحة ، وترك الاغترار بها ، والاعتبار بتقلّبها بأهلها . ولا شيء أعظم خطرا من الحياة ،
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 3 / 242 ) عن إسحاق بن أحمد ، عن إبراهيم بن يوسف ، عن أحمد بن أبي الحواري قال :
سمعت محمد بن إسحاق قال : أنبأنا جعفر الموصلي قال : قال أبو حازم : إن بضاعة الآخرة كاسدة ، فاستكثروا منها في أوان كسادها ، فإنه لو قد جاء يوم نفاقها لم تصل منها لا إلى قليل ولا إلى كثير .
ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 22 / 52 ) عن أبي القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل ، عن سهل بن بشر ، عن طرفة بن أحمد ، عن عبد الوهاب بن الحسن ، عن أبي الجهم بن طلاب ، عن أحمد بن أبي الحواري قال :
سمعت عمر بن إسحاق ، عن حفص الموصلي ، ورواه ابن عساكر ( 22 / 52 - 53 ) عن أبي القاسم محمود ابن أحمد بن الحسن ، عن أبي الفتح أحمد بن عبد اللّه بن أحمد ، عن أبي نعيم الحافظ ، عن أحمد بن جعفر بن سلم الختلي ، عن أحمد بن علي الأبار ، عن أحمد بن أبي الحواري ، عن إسحاق بن محمد الموصلي قال : قال أبو حازم : إن بضاعة الآخرة كاسدة ، فاستكثر منها في أوان كسادها ، فإنه لو قد جاء أوان نفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا كثير . وقال ابن عساكر : وفي حديث محمود : فاستكثروا منها ، وفيه : فإنه لو قد جاء يوم نفاقها . والباقي مثله .
( 2 ) في المطبوع : ( رضي اللّه عنه ) .
( 3 ) في المطبوع : ( طفّاح ) . وطمح بصره إليه ، كمنع : ارتفع . وطمح بصري إليه ، أي : امتدّ وعلا . وطفح : فاض وارتفع .
( 4 ) في المطبوع : ( وفي ) .
( 5 ) ( بما ) من المخطوط .