قال أبو حاتم - رحمه اللّه « 1 » - : السّبب المؤدّي للعاقل إلى إنزاله الدّنيا منزلها « 2 » ، ترك الرّكون إليها مع تقديم ما قدر منها للعيش الدّائم . والنّعيم المقيم : هو ترك طول الأمل ، ومراقبة ورود الموت عليه في كلّ لحظة وطرفة ؛ لأنّ طول الآمال قطعت أعناق الرّجال ، كالسّراب : أخلف من رجاه ، وخاب من رآه .
فالعاقل يلزم تركها ، مع الاعتبار الدّائم بمن مضى من الأمم السّالفة ، والقرون الماضية ، كيف عفت آثارهم ، واضمحلّت أنباؤهم ، فما بقي منهم إلّا الذّكر ، ولا من ديارهم إلّا الرّسم ، فسبحان من هو قادر على بعثهم وجمعهم للجزاء والعقاب .
960 - ولقد أنشدنا عمرو بن محمّد [ قال ] : أنشدنا الغلابيّ « 3 » [ قال ] : أنشدنا « 4 » مهديّ بن سابق : [ من البسيط ]
كنّا على ظهرها ، والعيش في « 5 » مهل * والدّهر يجمعنا ، والدّار والوطن
ففرّق الدّهر ذو التّفريق « 6 » ألفتنا * فاليوم يجمعنا في بطنها الكفن
كذلك الدّهر لا يبقي على أحد * تأتي بأقداره الأيّام والزّمن
هامش
- ورواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل ( 58 ) عن إسحاق بن إسماعيل ، عن سفيان ، عن مسعر أو غيره ، عن عون بن عبد اللّه بن عتبة قال : ما أنزل الموت كنه منزلته من عدّ غدا من أجله ، كم من مستقبل يوما لا يستكمله ، وكم من مؤمل لغد لا يدركه ، إنكم لو رأيتم الأجل ومسيره ، لأبغضتم الأمل وغروره .
ورواه البيهقي في الزهد الكبير ( 591 ) عن أبي عبد اللّه الحافظ ، عن أبي عبد اللّه محمد بن يعقوب الشيباني ، عن أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب قال : سمعت جعفر بن عون يقول : سمعت مسعر بن كدام يقول : كم من مستقبل يوما ليس بمستكمله ، ومنتظر غدا وليس بمستدركه ، ولولا الأجل ومسيره ، لأبغضتم الأمل وغروره .
وله شاهد : رواه القضاعي في مسند الشهاب ( 593 ) من طريق نوفل بن سليمان الهنائي ، عن عبيد اللّه بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : وعظنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « يا من الموت غايته ، ويا من القبر منزله ، ويا من الكفن ستره ، ويا من التراب وساده ، يا من الدود جيرانه ، يا من المنكر والنكير زواره ، يا أيها المودع غدا عرسه ، كم من مستقبل يوما لا يستكمله ، ومنتظر غدا لا يبلغه ، لو نظرتم إلى الأجل ومسيره ، لأبغضتم الأمل وغروره » . وانظره في الفردوس للديلمي ( 4913 ) .
( 1 ) في المطبوع : ( رضي اللّه عنه ) .
( 2 ) في المطبوع : ( منزلتها ) .
( 3 ) هو محمد بن زكريا . مرّت ترجمته رقم ( 10 ) .
( 4 ) في المطبوع : ( أنشدني ) .
( 5 ) في المطبوع : ( ذو ) .
( 6 ) في المطبوع : ( التصريف ) .