قال : يا أبت فيم أخذتها ؟ قال : يا بنيّ ، في كريم سددت به « 1 » خلّته « 2 » ، ورجل جاءني في حاجة وقد « 3 » رأيت السّوء في وجهه من الحياء ، فبدأت بحاجته قبل أن يسألها « 4 » .
قال أبو حاتم - رحمه اللّه تعالى « 5 » - : حقيق على من علم الثّواب ، أن لا يمنع ما ملك من جاه أو مال إن « 6 » وجد السّبيل إليه قبل حلول المنيّة ، فيبقى عن الخيرات كلّها ، ويتأسّف على ما فاته من المعروف .
والعاقل يعلم أنّ من صحب النّعمة في دار الزّوال لم يخل من فقدها ، وأنّ من تمام الصّنائع وأهناها إذا كان ابتداء من غير سؤال .
هامش
( 1 ) ( به ) من المخطوط .
( 2 ) الخلة ، بالفتح : الحاجة والفقر .
( 3 ) في المخطوط : ( جاءني ومن ) .
( 4 ) قال المزي في تهذيب الكمال ( 10 / 507 ) : قال الكديميّ : عن الأصمعي ، عن شبيب بن شيبة : لمّا حضرت سعيد بن العاص الوفاة قال لبنيه : أيّكم يقبل وصيّتي ؟ قال : أنا يا أبة . قال : فإن فيها قضاء ديني . قال : وما دينك يا أبة ؟ ! . قال :
ثمانون ألف دينار . قال : وفيم أخذتها يا أبة ؟ ! . قال : يا بني في كريم سدّدت منه خلّة ، وفي رجل أتاني في حاجة ودمه يترو في وجهه من الحياء ، فبدأته بها قبل أن يسألني .
وقال المزي في تهذيب الكمال ( 22 / 37 - 38 ) : قال الأصمعي : حدثنا المبارك بن سعيد ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبيه قال : لمّا حضت سعيد بن العاص الوفاة جمع بنيه فقال : أيّكم يكفل ديني ؟ فسكتوا ، فقال : ما لكم لا تكلّمون ؟ . فقال عمرو الأشدق - وكان عظيم الشّدقين - : وكم دينك يا أبة ؟ قال : ثلاثون ألف دينار . قال : فبما استدنتها يا أبة ؟ قال : في كريم سددت فاقته ، وفي لئيم فديت عرضي منه . فقال عمرو : هي عليّ يا أبة . فقال سعيد :
مضت خلّة ، وبقيت خلّتان . فقال عمرو : وما هما يا أبة ؟ قال : بناتي لا تزوجهن إلّا من الأكفاء ، ولو بعلق الخبز الشّعير . فقال : وأفعل يا أبة . قال سعيد : مضت خلّتان وبقيت خلّة واحدة . فقال : وما هي يا أبة ؟ فقال : إخواني إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي . فقال عمرو : وأفعل يا أبة . فقال سعيد : أما واللّه لئن قلت ذلك لقد عرفت ذلك في حماليق وجهك وأنت في مهدك .
وقال النووي في تهذيب الأسماء واللغات ( 1 / 212 ) : قالوا : ولمّا حضرته الوفاة [ أي سعيد بن العاص ] قال لبنيه :
أيّكم يقبل وصيتي أنا ؟ قال : إن فيها وفاء ديني . قال : وما هو ؟ قال : ثمانون ألف دينار . قال : وفيما أخذتها ؟ قال : في كريم سدّدت خلته ، وفي رجل جاءني ودمه يتروى في وجهه من الحياء فبدأته بحاجته قبل سؤاله .
( 5 ) في المطبوع : ( رضي اللّه عنه ) .
( 6 ) في نسخة : إذا .