لا ظهير أوثق من العقل ، ومن الرّفق يكون الاحتراز ، وفي الاحتراز ترجى السّلامة . وفي ترك الرّفق يكون الخرق ، وفي لزوم الخرق تخاف الهلكة .
715 - ولقد أنشدني الأبرش : [ من الطويل ]
عليك بوجه القصد ، فاسلك سبيله * وفي « 1 » الجور إهلاك ، وفي القصد مسلك
إذا أنت لم تعرف لنفسك قدرها * تحمّلها ، ما لا تطيق فتهلك
قال أبو حاتم [ رضي اللّه عنه ] : الرّافق لا يكاد يسبق ، كما أنّ العجل لا يكاد يلحق ، وكما أنّ من سكت لا يكاد يندم ، كذلك من نطق لا يكاد يسلم ، والعجل يقول قبل أن يعلم ، ويجيب قبل أن يسأل « 2 » ، ويحمد قبل أن يجرّب ، ويذمّ بعد ما يحمد ، ويعزم « 3 » قبل أن يفكّر ، ويمضي قبل أن يعزم ، والعجل تصحبه النّدامة ، وتعتزله السّلامة ، وكانت العرب تكني العجلة : أمّ النّدامات « 4 » .
716 - ولقد أنشدني بعض أهل العلم « 5 » : [ من البسيط ]
العجز ضرّ ، وما بالحزم من ضرر * وأحزم الحزم سوء الظّنّ بالنّاس
لا تترك الحزم في أمر تحاذره * فإن « 6 » أمنت فما بالحزم من باس
717 - أخبرنا عمرو بن محمّد ، حدّثنا الغلابيّ « 7 » ، حدّثنا إبراهيم بن عمر بن حبيب « 8 » قال : كان يقال : لا يوجد العجول محمودا ، ولا الغضوب مسرورا ، ولا الحرّ حريصا ، ولا الكريم حسودا ، ولا الشّره غنيّا ، ولا الملول ذا إخوان .
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( ففي ) .
( 2 ) في المطبوع : ( يفهم ) .
( 3 ) في المطبوع : ( يعزم ) .
( 4 ) قال أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر ( الجزء الخامس ) : قال أعرابي : إياك والعجلة فإن العرب كانت تكنيها :
أم الندامات ؛ لأن صاحبها يقول قبل أن يعلم ، ويجيب قبل أن يفهم ، ويعزم قبل أن يفكّر ، ويقطع قبل أن يقدر ، ويحمد قبل أن يجرّب ، ويذمّ بعد الحمد ، ومن كان كذلك صحب الندامة ، واعتزل السلامة .
( 5 ) ذكر البيتين في تاريخ بغداد للخطيب ( 4 / 352 ) والازدهار للسيوطي رقم ( 28 ) دون نسبة . وفيه : لا تترك الحزم في أمر هممت به فإن سلمت فما .
( 6 ) في المخطوط : ( وإن ) .
( 7 ) هو محمد بن زكريا . مرّت ترجمته رقم ( 10 ) .
( 8 ) مرّ رقم ( 117 ) .