راهويه « 1 » يقول : كنت صاحب رأيّ ، فلما أردت أن أخرج إلى الحج ، عمدت إلى كتب عبد اللّه بن المبارك ، واستخرجت منها ما يوافق رأي أبي حنيفة من الأحاديث ، فبلغت نحوا من ثلاثمائة حديث . فقلت :
أسأل عنها مشايخ عبد اللّه ؛ الذين هم بالحجاز والعراق ، وأنا أظن أن ليس يجترئ أحد أن يخالف أبا حنيفة ، فلما قدمت البصرة ، جلست إلى عبد الرحمن بن مهديّ « 2 » .
هامش
( 1 ) هو الإمام الحافظ الكبير المفسر المجتهد ، إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ، ولد سنة ( 161 ه ) شهد الجميع بحفظه وفضله وعلمه وورعه . قال عنه الإمام أحمد : « لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق ، وإن كان يخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا » انظر « السير » ( 11 / 358 ) ، وانظر أيضا « المجروحين » لابن حبان ( 1 / 87 ) .
( 2 ) هو الإمام الجهبذ ، سيد الحفاظ ، وزين العلماء ، الذي قال فيه الشافعي : « لا أعرف له نظيرا في هذا الشأن » . ومن جميل ما نقل عنه قوله :
« كان يقال : إذا لقي الرجل الرجل فوقه في العلم كان يوم غنيمة ، وإذا لقي من هو مثله دارسه وتعلم منه ، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه ، ولا يكون إماما في العلم من يحدث بكل ما سمع ، ولا يكون إماما في العلم من يحدث عن كل أحد ، ولا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم ، والحفظ : الإتقان »
وقال عبد الرحمن بن رسته : سألت ابن مهدي عن الرجل يبني بأهله أيترك الجماعة أياما ؟
قال : لا . ولا صلاة واحدة . وحضرته صبيحة بني على ابنته ، فخرج فأذّن ، ثم مشى إلى بابهما . فقال للجارية : قولي لهما : يخرجان إلى الصلاة . فخرج النساء والجواري . فقلن :
سبحان اللّه ! أي شيء هذا ؟ فقال : لا أبرح حتى يخرجا إلى الصلاة ، فخرجا بعد ما صلّى ، فبعث بهما إلى مسجد خارج من الدرب .
علق الذهبي في « السير » ( 9 / 204 ) على ذلك بقوله :
« هكذا كان السلف في الحرص على الخير » .
قلت : وانظر ترجمته في « الحلية » أول المجلد التاسع .