قال له القرد : وما يريد المرء من خليله الا ان يبذل له وده ويصفي له قلبه وما سوى ذلك ففضول « 1 » .
قال الغيلم : نعم ، غير أن الاجتماع على الطعام والشراب آكد « 2 » للمودة والأنس ، لأنا نرى الدواب إذا اعتلفت معا ألف بعضها بعضا .
وكان يقال : لا ينبغي للعاقل ان يلج على إخوانه في المسألة ، فإن العجل إذا أكثر مصّ ضرع أمه نطحته . فرغب القرد في الذهاب معه حبا وكرامة ، ونزل فركب ظهر الغيلم فسبح به ، حتى إذا تجاوز قليلا عرض له قبح ما اضمر في نفسه من الغدر . . فنكس رأسه ووقف ، وقال في نفسه : كيف اغدر بخليلي لكلمة قالتها امرأة من الجاهلات ؟ وما أدري ، لعل جارتي قد خدعتني وكذبت بما روت عن الأطباء . فان الذهب يجرب بالنار ، والرجال بالأخذ والعطاء ، والدواب بالحمل والجري ، ولا يقدر أحد ان يجرب مكر النساء ولا يقدر على كيدهن وكثرة حيلهن .
فقال له القرد : مالي أراك مهتما ؟ قال الغيلم إنما همي لأني ذكرت ان زوجتي شديدة المرض ، وذلك يمنعني من كثير مما أريد ان ابلغه من كرامتك وملاطفتك .
قال القرد : ان الذي اعرف من حرصك على كرامتي يكفيك مؤونة التكلف .
قال الغيلم : أجل « 3 » . ومضى بالقرد ساعة ثم توقف به ثانية .
فساء ظن القرد وقال في نفسه : ما احتباس الغيلم وابطاؤه الا الأمر ، ولست آمنا ان يكون قلبه قد تغير لي وحال « 4 » عن مودتي فأراد
هامش
( 1 ) فضول : زيادة بلا فائدة .
( 2 ) آكد : تفضيل من أكده بمعنى اوثقه اي أشد تأكيدا .
( 3 ) اجل : نعم .
( 4 ) حال : بمعنى تغير .