الحمار فأتاه وسلم عليه وقال له : ما لي أراك مهزولا ؟ قال : لسوء تدبير صاحبي ، فإنه لا يزال يجيع بطني ويثقل ظهري ، وما تجتمع هاتان الحالتان على جسم إلا أنحلتاه « 1 » وأسقمتاه . فقال له : كيف ترضى المقام معه على هذا ؟ قال : ما لي حيلة للهرب منه فلست أتوجه إلى جهة الا اضرّ بي إنسان فكدني وأجاعني .
قال ابن آوى : فأنا أدلك على مكان معزول عن الناس لا يمر به إنسان ، خصيب المرعى فيه عانة « 2 » من الحمر « 3 » ترعى آمنة مطمئنة .
قال الحمار : وما يحبسنا عنها فانطلق بنا إليها . فانطلق به نحو الأسد وتقدم ابن آوى ودخل الغابة على الأسد فأخبره بمكان الحمار .
فخرج اليه وأراد ان يثب عليه فلم يستطع لضعفه وتخلص الحمار منه فأفلت هلعا « 4 » على وجهه . فلما رأى ابن آوى ان الأسد لم يقدر على الحمار قال له : يا سيد السباع أعجزت إلى هذه الغاية « 5 » ؟ فقال له :
إن جئتني به مرة أخرى فلن ينجو مني أبدا « 6 » . فمضى ابن آوى إلى الحمار فقال له : ما الذي جرى عليك ؟ إن أحد الحمر رآك غريبا فخرج يتلقاك مرحبا بك ، ولو ثبت لآنسك ومضى بك إلى أصحابه .
فلما سمع الحمار ذلك ، ولم يكن رأى أسدا قط صدق ما قاله ابن آوى وأخذ طريقه إلى الأسد . فسبقه ابن آوى إلى الأسد وأعلمه بمكانه وقال له : استعد له فقد خدعته لك فلا يدركنك
هامش
( 1 ) انحلتاه : هزلتاه .
( 2 ) عانة : جماعة من الحمير .
( 3 ) الحمر : جمع حمير .
( 4 ) هلعا : خائفا جدا .
( 5 ) الغاية : بمعنى الحد وهنا بمعنى المقصد .
( 6 ) ابدا : ظرف للفعل المصروف للاستقبال ، وقط للماضي .