قال الملك لوزير آخر : ما ترى أنت في هذا الغراب ؟ قال : أرى الا تقتله لأنه قد لقي من أصحابه ما تراه فهو خليق ان يكون دليلا لك على عوراتهم « 1 » ومعينا لك على ما فيه هلاكهم ، وان العدو الذليل الذي لا ناصر له أهل لأن يؤمن ولا سيما المستجير الخائف ، والعدو إذا صدرت منه المنفعة ولو كان غير متعمد لها أهل لأن يصفح عنه بسببها . كالتاجر الذي عطف على سارق لاصطلاحه مع امرأته بسببه . قال الملك : وكيف كان ذلك ؟
التاجر وامرأته والسارق
قال الوزير : زعموا أنه كان تاجر كثير المال والمتاع ، وكان بينه وبين امرأته وحشة « 2 » . وإن سارقا تسوّر « 3 » بيت التاجر فدخل فوجده نائما ووجد امرأته مستيقظة ، فذعرت من السارق ووثبت إلى التاجر فالتزمته « 4 » وأيقظته ، ولم يكن يجري بينهما كلام . فاستيقظ التاجر وتكالما وانحلت الوحشة من بينهما . ثم بصر بالسارق فقال :
أيها السارق أنت في حل مما أخذت « 5 » من مالي ومتاعي ، ولك الفضل بما أصلحت بيننا .
قال ملك البوم لوزير آخر من وزرائه : ما تقول في أمر الغراب ؟
قال : أرى أن تستبقيه « 6 » وتحسن إليه فإنه خليق أن ينصحك ، والعاقل يرى معاداة بعض أعدائه بعضا ظفرا حسنا ، ويرى اشتغال بعض أعدائه ببعض خلاصا لنفسه منهم ونجاة كنجاة الناسك من اللص والشيطان حين اختلفا عليه . قال الملك وكيف كان ذلك ؟
هامش
( 1 ) عوراتهم : مواضع الخلل منهم
( 2 ) وحشة : نفار ومقاطعة .
( 3 ) تسوّر البيت : وثب عن سوره .
( 4 ) التزمته : تمسكت به .
( 5 ) أنت في حل مما اخذت : حلال لك ما اخذته .
( 6 ) تستبقيه : تبقيه حيا .