بمحضر من الأمر « 1 » . فقال : أيها الغربان ما ترون في ذلك ؟
فقلت : أيها الملك لا طاقة لنا بقتال البوم لأنهن أشد بطشا واحدّ قلبا منا . ولكن أرى ان نلتمس الصلح ثم نبذل الفدية في ذلك ، فإن قبلت البوم ذلك منا وإلا هربنا في البلاد ؛ وإذا كان القتال بيننا وبين البوم كان خيرا لهن وشرا لنا . فالصلح أفضل من الخصومة . وأمرتهن بالرجوع عن الحرب وضربت لهن الأمثال في ذلك ، وقلت لهن ان العدو الشديد لا يرد بأسه مثل الخضوع له . ألا ترين إلى الحشيش كيف يسلم من عاصف الريح للينه وميله معها حيث مالت والشجر العاتي « 2 » يكسر بها ويحطم ، فعصينني في ذلك وزعمن انهن يردن القتال واتهمنني فيما قلت وقلن انك قد مالأت البوم « 3 » علينا . ورددن قولي ونصيحتي وعذبنني بهذا العذاب وتركني الملك وجنوده وارتحل ، ولا علم لي بهن بعد ذلك .
فلما سمع ملك البوم مقالة الغراب قال لبعض وزرائه : ما تقول في الغراب وما ترى فيه ؟ قال : ما أرى إلا المعاجلة له بالقتل ، فإن هذا أفضل عدد الغربان « 4 » وفي قتله لنا راحة من مكره وفقده على الغربان شديد . فإذا قتل ثل « 5 » ملكهم وتقوض « 6 » ، وما أراه إلا فتحا « 7 » قد أرسله اللّه إليك . ويقال : من ظفر بالساعة التي فيها ينجح العمل ، ثم لا يعاجله بالذي ينبغي له فليس بحكيم ، فإن الأمور مرهونة بأوقاتها ، ومن طلب الأمر الجسيم فأمكنه ذلك فأغفله « 8 » فاته الأمر . وهو خليق ألا تعود الفرصة ثانية ، ومن وجد عدوه ضعيفا ولم ينجز « 9 » قتله ندم إذا استقوى ولم يقدر عليه .
هامش
( 1 ) بمحضر من الأمر : حاضرا له .
( 2 ) العاتي : المتكبر .
( 3 ) مالأت : اعتصبت معهن .
( 4 ) العدد ما : ما يعتمد عليه .
( 5 ) ثل : هدم .
( 6 ) تقوض : نقض وانهد .
( 7 ) أراه فتحا : نصرا وظفرا .
( 8 ) أغفله : تركه .
( 9 ) لم ينجز : لم يتم . لم يعجل .