فانطلق به يقوده . فبصر به قوم من المكرة فائتمروا « 1 » بينهم ان يأخذوه من الناسك . فعرض له أحدهم فقال له : أيها الناسك ، ما هذا الكلب الذي معك ؟ ثم عرض له الآخر فقال لصاحبه : ما هذا ناسكا لأن الناسك لا يقود كلبا . فلم يزالوا مع الناسك على هذا ومثله حتى لم يشك أن الذي يقوده كلب وأن الذي باعه إياه سحر عينيه ، فأطلقه من يده فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا به .
وإنما ضربت لك هذا المثل لما أرجو ان نصيب « 2 » من حاجتنا بالرفق والحيلة ، وإني أريد من الملك ان ينقرني على رؤوس الأشهاد وينتف ريشي وذنبي ثم يطرحني في أصل هذه الشجرة ويرتحل الملك وجنوده إلى مكان كذا ، فإني أرجو اني اصبر واطلع على أحوالهم ومواضع تحصينهم وأبوابهم فأخادعهم وآتي إليكم لنهجم عليهم وننال منهم غرضنا إن شاء اللّه تعالى . قال الملك : أتطيب نفسك لذلك ؟
قال : نعم ، وكيف لا تطيب نفسي لذلك وفيه أعظم الراحات للملك وجنوده ؟ ففعل الملك بالغراب ما ذكر ثم ارتحل عنه .
فلما جن الليل أقبل ملك البوم وجنده ليوقع « 3 » بالغربان فلم يجدهم وهم بالانصراف . فجعل الغراب يئن ويهمس حتى سمعته البوم ورأينه يئن فأخبرن ملكهن بذلك فقصد نحوه ليسأله عن الغربان . فلما دنا منه أمر بوما ان يسأله فقال له : من أنت وأين الغربان ؟ فقال :
أما اسمي ففلان ، وأما ما سألتني عنه فإني أحسبك ترى ان حالي حال من لا يعلم الأسرار . فقيل لملك البوم : هذا وزير ملك الغربان وصاحب رأيه فنسأله بأي ذنب صنع به ما صنع ، فسئل الغراب عن أمره . فقال : إن ملكنا استشار جماعتنا فيكن وكنت يومئذ
هامش
( 1 ) ائتمروا : تشاوروا .
( 2 ) نصيب : ننال .
( 3 ) يوقع : يبطش .