ذا الذي طلب من اللئام فلم يحرم ؟ ومن ذا الذي خالط الأشرار فسلم ؟
ومن ذا الذي صحب السلطان فدام له منه الأمن والإحسان ؟ ولقد صدق الذي قال : مثل السلاطين في قلة وفائهم لمن صحبهم وسخاء أنفسهم بمن فقدوا من قرنائهم كمثل صاحب الخان كلما فقد واحدا جاء آخر .
قال شتربة : إني أسمع منك كلاما يدل على أنه قد رابك « 1 » من الأسد رائب وهالك منه أمر .
قال دمنة : أجل « 2 » لقد رابني منه ذلك وليس هو في أمر نفسي .
قال شتربة : ففي نفس من رابك ؟
قال دمنة : قد تعلم ما بيني وبينك ، وتعلم حقك عليّ ، وما كنت جعلت لك من العهد والميثاق أيام أرسلني الأسد إليك ، فلم أجد بدا من حفظك وأطاعك على ما اطلعت عليه مما أخاف عليك منه .
قال شتربة : وما الذي بلغك ؟
قال دمنة : حدثني الخبير الصدوق الذي لا مرية « 3 » في قوله ، أن الأسد قال لبعض أصحابه وجلسائه : قد أعجبني سمن الثور وليس لي إلى حياته حاجة ، فأنا آكله ومطعم أصحابي من لحمه . فلما بلغني هذا القول وعرفت غدره وسوء عهده أقبلت إليك لأقضي حقك وتحتال أنت لامرك .
فلما سمع شتربة كلام دمنة ، وتذكر ما كان دمنة جعل له من العهد والميثاق ، وفكر في أمر الأسد ، ظن أن دمنة قد صدقه ونصح له ، ورأى أن الأمر شبيه بما قال دمنة ، فأهمه ذلك وقال : ما كان للأسد أن يغدر بي ولم آت إليه ذنبا « 4 » ، ولا إلى أحد من جنده منذ صحبته ؛
هامش
( 1 ) رابك : أحدث في نفسك ريبة أي شكا وقلقا .
( 2 ) أجل : حرف جواب بمعنى نعم .
( 3 ) لا مرية : لا شك .
( 4 ) لم آت اليه ذنبا : لم أذنب اليه .