فوقع في نفس الأسد « 1 » كلام دمنة فقال : فما الذي ترى إذن وبما ذا تشير ؟
قال دمنة : إن الضرس المأكول « 2 » لا يزال صاحبه منه في ألم وأذى حتى يقلعه ، والطعام الذي قد عفن في البطن الراحة في قذفه ، والعدو المخيف دواؤه قتله .
قال الأسد : لقد تركتني أكره مجاورة شتربة إياي ، وأنا مرسل إليه وذاكر له ما وقع في نفسي منه . ثم آمره باللحاق « 3 » حيث أحب .
فكره دمنة ذلك وعلم أن الأسد متى كلم شتربة في ذلك وسمع منه جوابا عرف باطل ما أتى هو به واطلع على غدره وكذبه ولم يخف عليه أمره . فقال للأسد : أما إرسالك إلى شتربة فلا أراه لك رأيا ولا حزما ، فلينظر الملك في ذلك ، فإنه لا يزال لك في نفسك الخيار « 4 » ما دام لا يعلم أن أمره قد وصل إليك . فإنه متى علم ذلك خفت أن يعاجل الملك بالمكابرة ، وهو ، إن قاتلك ، قاتلك مستعدا ، وإن فارقك فارقك فراقا يليك « 5 » منه النقص ويلزمك منه العار . مع أن ذوي الرأي من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه ، ولكن لكل ذنب عندهم عقوبة ، فلذنب العلانية عقوبة العلانية ولذنب السر عقوبة السر .
قال الأسد : ان الملك إذا عاقب أحدا عن ظنة « 6 » ظنها من غير تيقن لجرمه فنفسه عاقب ، وإياها ظلم ، وكان ناقص البصيرة .
قال دمنة : أما إذا كان هذا رأي الملك فلا يدخلن عليك شتربة
هامش
( 1 ) وقع في نفسه : اثر فيها .
( 2 ) المأكول : المنخور .
( 3 ) باللحاق : بالانصراف .
( 4 ) لك الخيار : أنت بخير .
( 5 ) يليك : يلحقك .
( 6 ) ظنة : ريبة ، تهمة .