ثم ينظر هل في الصفح عنه أمر يخاف ضرره وشينه فلا يؤاخذ صاحبه بشيء يجد فيه إلى الصفح عنه سبيلا .
« فإن كان الأسد قد اعتقد عليّ ذنبا فلست أعلمه ، إلا أني خالفته في بعض رأيه بطرا مني ونصيحة له فلعله يكون قد أنزل أمري على الجرأة عليه والمخالفة له . ولا أجد لي في هذا المحضر « 1 » إثما « 2 » ما لأني لم أخالفه في شيء إلا ما قد ندر عند مخالفته الرشد « 3 » والمنفعة والدين ، ولم أجاهر بشيء من ذلك على رؤوس جنده وعند أصحابه ، ولكن كنت أخلو به وأكلمه سرا كلام الهائب الموقر .
وعلمت أنه من التمس الرّخص « 4 » من الإخوان عند المشاورة ، ومن الأطباء عند المرض ، ومن الفقهاء عند الشبهة فقد أخطأ منافع الرأي وازداد فيما وقع فيه من ذلك تورطا « 5 » وحمل الوزر « 6 » . وإن لم يكن هذا فلعله يكون ذلك من بعض سكرات السلطان ، فإن صحبة السلطان خطرة ، وإن صوحب بالسلامة والثقة والمودة وحسن الصحبة فربما عثر مصاحبه العثرة فلا ينتعش « 7 » ولا تقال عثرته « 8 » . وإن لم يكن هذا فبعض ما أوتيت من الفضل قد جعل لي فيه الهلاك ، وبعض المحاسن آفة لصاحبها . فان الشجرة اللذيذة الثمر ربما كان أذاها في حملها فلويت أغصانها وهصرت « 9 » أطرافها حتى تتكسر ؛ والطاووس الذي ذنبه أفضله ينسل « 10 » فيؤلمه ، والفرس المطهم « 11 » الجريّ « 12 » ربما ركب حتى ينقطع ، والبلبل الحسن الصوت يحبس دون غيره من الطير ، وإن لم يكن هذا ولا هذا فهو إذن من مواقع
هامش
( 1 ) المحضر : مكان الحضور .
( 2 ) اثما : ذنبا .
( 3 ) الرشد : الهدى .
( 4 ) الرخص : جمع رخصة وهي اليسر والتساهل .
( 5 ) تورطا : دخولا في الورطة وهي الهلاك .
( 6 ) الوزر : الاثم .
( 7 ) لا ينتعش : لا ينهض .
( 8 ) لا تقال عثرته : لا يرفع من سقوطه .
( 9 ) هصرت الأغصان : جذبت وعطفت .
( 10 ) ينسل : ينزع .
( 11 ) المطهم : الكامل ، التام الخلق .
( 12 ) الجري : الكثير الجري .