القضاء والقدر الذي لا يدفع ، والقدر هو الذي يسلب الأسد قوته وشدته ويدخله القبر ، وهو الذي يحمل الرجل الضعيف على ظهر الفيل الهائج ، وهو الذي يسلط على الحية ذات الحمة « 1 » من ينزع حمتها ويلعب بها ، وهو الذي يصيّر العاجز حازما ويثبط « 2 » السهم المنطلق ، ويوسع على المقتر « 3 » ، ويشجع الجبان ، ويجبن الشجاع عندما تعتريه « 4 » المقادير بالعلل التي اتفقت « 5 » لها . »
قال دمنة : إن إرادة الأسد بك ليست من تحريش الأشرار ولا سكرة السلطان ولا غير ذلك ، ولكنها الغدر والفجور منه ، فإنه فاجر خوان غدار ، لطعامه حلاوة وآخره سم مميت .
قال شتربة : فأراني « 6 » قد استلذذت الحلاوة إذ ذقتها ، وقد انتهيت إلى آخرها الذي هو الموت . ولولا الحين « 7 » ما كان مقامي عند الأسد وهو آكل لحم وأنا آكل عشب ، فأنا في هذه الورطة كالنحلة التي تجلس على نور « 8 » النيلوفر إذ تستلذ ريحه وطعمه فتحبسها تلك اللذة عن الحين الذي ينبغي أن تطير فيه ، فإذا جاء الليل ينضم عليها فترتبك فيه وتموت . ومن لم يرض من الدنيا بالكفاف « 9 » الذي يغنيه وطمحت عينه إلى ما سوى ذلك ولم يتخوف عاقبته كان كالذّباب الذي يرضى بالشجر والرياحين ، ولا يقنعه ذلك حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل فيضربه الفيل بآذانه فيهلكه . ومن يبذل وده ونصيحته لمن يشكره فهو كمن يبذر في السباخ « 10 » ، ومن يشر على المعجب « 11 » فهو كمن يشاور الميت أو يسار « 12 » الأصم .
هامش
( 1 ) حمة الحية : الناب التي تلدغ بها .
( 2 ) يثبط : يعلق .
( 3 ) المقتر : الفقير .
( 4 ) تعتريه : تصيبه .
( 5 ) اتفقت : حدثت اتفاقا .
( 6 ) أراني : أرى نفسي .
( 7 ) الحين : الموت ، الاجل .
( 8 ) نور : زهر .
( 9 ) الكفاف : الكفاية أو ما كفى واغنى عن الناس .
( 10 ) السباخ : الأرض ذات الملح .
( 11 ) المعجب : المتكبر .
( 12 ) يسار : يكلم بكلام خفي .