« فاضْرِب لهُم طريقاً في البَحْرِ يَبَساً » « 1 » ، فأخذ كلّ سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه ، فقالوا لموسى إنّ بعضنا لا يرى صاحبه ، فضرب موسى عصاه على البحر ، فصار بين الطّرق منافذ وكوى ، فرأى بعضهم بعضاً ، ثمّ أتبعهم فرعون . فلمّا بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً ، فنهاه عن الدّخول ، فهمّ بأن لا يدخل البحر ، فجاء جبريل عليه السلام على حجره ، فتقدّم فرعون وهو كان على فحل ، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر ، فلمّا دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم : الحقوا آخركم بأوّلكم ، فلمّا دخلوا البحر بالكلية أمر اللَّه الماء حتّى نزل عليهم ، فذلك قوله تعالى : « وأغْرَقْنا آلَ فرعون » « 2 » وأنتُم تنظُرون ، وقيل : كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً للَّهتعالى .
( المسألة الثّانية ) قال قوم : لا يجوز نسخ الشّيء إلى ما هو أثقل منه ، واحتجّوا بأنّ قوله : « نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها » « 3 » ينافي كونه أثقل ، لأنّ الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله . والجواب : لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة ؟ ثمّ إنّ الّذي يدلّ على وقوعه أنّ اللَّه سبحانه نسخ في حقّ الزّناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرّجم ، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان ، وكانت الصّلاة ركعتين عند قوم ، فنسخت بأربع في الحضر . إذا عرفت هذا فنقول : أمّا نسخ الشّيء إلى الأثقل فقد وقع في الصّور المذكورة ، وأمّا نسخه إلى الأخف فكنسخ العدّة من حول إلى أربعة أشهر وعشر ، وكنسخ صلاة اللّيل إلى التّخيير فيها . وأمّا نسخ الشّيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى
الكعبة . الفخر الرّازي ، التّفسير ، 3 / 71 ، 232
ما حكمه مذكور في الكتاب منسوخ بالسُّنّة ، وما حكمه مذكور في السُّنّة منسوخ بالكتاب ؛ مثال الأوّل قوله تعالى : « فَأمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوتُ » « 4 » ،
هامش
( 1 ) - طه : 20 / 77 .
( 2 ) - الأنفال : 8 / 54 .
( 3 ) - البقرة : 2 / 106 .
( 4 ) - النِّساء : 4 / 15 .