ثمّ التفت كالأسد ، فقال : يا شيخ ! أمّا أنت فقد أقررت أنّ محمّداً النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يوصِ إليك ولا استخلفك ، وإنّما تراضوا النّاس بك ، ولو رضي اللَّه عزّ وجلّ لرضاء « 1 » الخلق واتِّباعهم لهواهم واختيارهم لأنفسهم ، ما بعث اللَّه النّبيِّين مبشِّرين ومنذرين وآتاهم الكتاب والحكمة ليبيِّنوا للنّاس ما يأتون ويَذَرُون وما يختلفون فيه ، ولئلّا يكون للنّاس على اللَّه حجّة بعد الرّسل ، فقد دفعتم للنّبيِّين « 2 » عن رسالاتهم واستغنيتم بالجهل من اختيار النّاس عن اختيار اللَّه عزّ وجلّ الرّسل للعباد ، واختيار الرّسل لُامّتهم ونراكم تعظمون بذلك الفرية على اللَّه عزّ وجلّ وعلى نبيّكم ولا ترضون إلّاأن تتسمّوا بعد ذلك بالخلافة ، وهذا لايحلّ إلّالنبيّ أو وصيّ نبيّ ، وإنّما تصحّ الحجّة لكم بتأكيدكم النّبوّة لنبيِّكم وأخذكم بسنن الأنبياء في هديهم وقد تغلّبتم ، فلابدّ لنا أن نحتج عليكم فيما ادّعيتم حتّى نعرف سبيل ما تدعون إليه ونعرف الحقّ فيكم بعد نبيّكم أصواب ما فعلتم بإيمان « 3 » أو بجهل وكفرتم « 3 » ، ثمّ قال : يا شيخ ! أجب ، قال : فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه ، فلم يَحِرْ جواباً .
ثمّ التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال : بناء القوم على غير أساس ولا أرى حجّة لهم ، أفهمتم ؟ قالوا : بلى ، ثمّ قال لأبي بكر : يا شيخ ! أسألك ؟ قال : سل . قال : أخبرني عنِّي وعنك ما أنت عند اللَّه وما أنا « 4 » ؟ قال : أمّا أنا فعند نفسي مؤمن وما أدري ما أنا عند اللَّه فيما بعد ، وأمّا أنت فعندي كافر ولا « 5 » أدري ما أنت عند اللَّه ، قال الجاثليق : أمّا أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الإيمان وجهلت مقامك في إيمانك ، أمحقّ أنت فيه أم مبطل ، وأمّا أنا فقد منّيتني الإيمان بعد الكفر ، فما أحسن حالي و « 6 » ما أسوأ « 6 » حالك عند نفسك إذ كنت
هامش
( 1 ) - [ البحار : « برضى » ] .
( 2 ) - [ البحار : « النّبيِّين » ] .
( 3 - 3 ) [ البحار : « أم كفرتم بجهل » ] .
( 4 ) - [ زاد في البحار : « عند اللَّه » ] .
( 5 ) - [ البحار : « ما » ] .
( 6 - 6 ) [ البحار : « أسوأ » ] .