الحسن والحسين خرجا من عندي آنفاً وما أدري أين هما ؟ فقد طار عقلي ، وقلق فؤادي ، وقلّ صبري ، وبكت وشهقت حتّى علا بكاؤها ، فلمّا رآها ، رحمها ورقّ لها ، فقال :
لا تبكي يا فاطمة ، فوَ الّذي نفسي بيده ، إنّ الّذي خلقهما هو أرأف بهما منكِ وأرحمبصغرهما منكِ . قال : فقام النّبيّ صلى الله عليه وآله من ساعته ، فرفع يديه إلى السّماء وقال : اللَّهمّ إنّهما ولداي ، قرّة عينيّ ، وثمرة فوادي ، وأنت أرحم بهما [ منِّي ] ، وأعلم بموضعهما ، يا لطيف بلطفك الخفيّ ، أنت عالم الغيب والشّهادة ، اللَّهمّ إن كانا أخذا برّاً أو بحراً فاحفظهما وسلّمهما حيث كانا ، وحيثما توجّها .
قال : فلمّا دعا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فما استتمّ الدّعاء ، فإذا بجبرئيل عليه السلام قد هبط من السّماء ومعه عظماء الملائكة وهم يؤمّنون على دعاء النّبيّ صلى الله عليه وآله ، فقال جبرئيل : يا حبيبي ، يا محمّد ! لا تحزن ولا تغتمّ وأبشر ، فإنّ ولديك فاضلان في الدّنيا ، وفاضلان في الآخرة ، وأبوهما خير منهما ، وهما نائمان في حظيرة بني النّجّار ، وقد وكّل اللَّه بهما ملكاً يحفظهما .
قال : فلمّا قال له جبرئيل عليه السلام ذلك ، سرّى عنه ، فقام رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هو وأصحابه وهو فرح مسرور ، حتّى أتوا حظيرة بني النّجّار ، وإذاً الحسن والحسين عليهما السلام نائمان ، وإذا الحسين معانق للحسن عليه السلام ، وإذ ذاك الملك الموكّل بهما قد وضع أحد جناحيه بالأرض ، فوطّأ به تحتهما يقيهما حرّ الأرض ، والجناح الآخر قد جلّلهما به يقيهما حرّ الشّمس . قال :
فانكبّ النّبيّ صلى الله عليه وآله يقبّلهما واحداً فواحداً ، ويمسحهما بيده حتّى أيقظهما من نومهما . قال :
فلمّا انتبها من نومهما ، حمل النّبيّ صلى الله عليه وآله الحسن على عاتقه ، وحمل جبرئيل عليه السلام الحسين عليه السلام على ريشه من الجناح الأيمن حتّى خرج بهما من الحظيرة وهو يقول : واللَّه لأشرّفنّكما اليوم كما شرّفكما اللَّه عزّ وجلّ في سماواته .
فبينا هو وجبرئيل عليه السلام يمشيان ، حتّى تمثّل جبرئيل دحية الكلبي وقد حملاهما ، إذ أقبل أبو بكر ، فقال : يا رسول اللَّه ، ناولني أحد الصّبيّين وخفّف عنك وعن صاحبك ، فأنا أحفظه حتّى أودّيه إليك ، فقال رسول اللَّه : جزاك اللَّه خيراً يا أبا بكر ، دعهما ، فنِعْمَ الحاملان نحن ، ونِعْمَ الرّاكبان هما ، وأبوهما خير منهما . فحملاهما وأبو بكر معهما حتّى أتوا بهما إلى
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 264
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٢٦٤