من موطني ، ونغص « 1 » عيشي ، وأجرى دموعي ، وأقلّ هجوعي . فقال البهلول : وأنا واللَّه كذلك ، فقال له : قم بنا نمضي إلى كربلاء لنشاهد قبور أولاد عليّ المرتضى . قال : فأخذ كلّ بيد صاحبه حتّى وصلا إلى قبر الحسين ، وإذا هو على حاله لم يتغيّر ، وقد هدموا بنيانه ، وكلّما أجروا عليه الماء غار وحار واستدار بقدرة العزيز الجبّار ، ولم يصل قطرة واحدة إلى قبر الحسين عليه السلام ، وكان القبر الشّريف إذا جاءه الماء يرتفع أرضه بإذن اللَّه تعالى ، فتعجّب زيد المجنون ممّا شاهده ، وقال : انظر يا بهلول « يريدونَ ليُطفئوا نورَ اللَّه بأفواههم ، ويأبى اللَّهُ إلّاأن يُتمّ نورهِ ولو كرهَ المشركون » « 2 » .
قال : ولم يزل المتوكِّل يأمر بحرث قبر الحسين مدّة عشرين سنة ، والقبر على حاله لم يتغيّر ولا تعلوه « 3 » قطرة من الماء ، فلمّا نظر الحارث إلى ذلك ، قال : آمنت باللَّه وبمحمّد رسول اللَّه ، واللَّه لأهربنّ على وجهي وأهيم في البراري ، ولا أحرث قبر الحسين ابن بنت رسول اللَّه ، وأنّ لي مدّة عشرين سنة أنظر آيات اللَّه ، وأشاهد براهين آل بيت رسول اللَّه ، ولا أتّعظ ، ولا أعتبر . ثمّ أنّه حلّ الثّيران ، وطرح الفدّان ، وأقبل يمشي نحو زيد المجنون ، وقال له : من أين أقبلت يا شيخ ؟ قال : من مصر ، فقال له : ولأيِّ شيء جئت إلى هنا ؟ و « 4 » إنِّي أخشى « 4 » عليك من القتل . فبكى زيد وقال : واللَّه قد بلغني حرث قبر الحسين عليه السلام ، فأحزنني ذلك وهيّج حزني ووجدي . فانكبّ الحارث على أقدام زيد يقبِّلهما ، وهو يقول : فداك أبي وامِّي ، فوَ اللَّه يا شيخ من حين ما أقبلت إليّ أقبلت إليّ الرّحمة ، واستنار قلبي بنور اللَّه ، وإنّي آمنت باللَّه ورسوله ، وإنّ لي مدّة عشرين سنة ، وأنا أحرث هذه الأرض ، وكلّما أجريت الماء إلى قبر الحسين غار وحار واستدار ، ولم تصل « 5 »
هامش
( 1 ) - [ في البحار والعوالم : « ونقص » ] .
( 2 ) - [ مضمون ما جاء في سورة التّوبة : 9 / 32 - 33 ، وسورة الصّفّ : 61 / 8 - 9 ] .
( 3 ) - [ في البحار والعوالم : « لا يعلوه » ] .
( 4 - 4 ) [ في البحار والعوالم : « إنّه لأخشى » ] .
( 5 ) - [ في البحار والعوالم : « لم يصل » ] .