قال زيد : فظننت أنّ المتوكّل قد مات ، فتقدّمت إلى رجل منهم وقلت له : من يكون هذا الميِّت ؟ فقال : هذه جنازة جارية المتوكّل وهي جارية سوداء حبشية ، وكان اسمها ريحانة ، وكان يحبّها حبّاً شديداً ، ثمّ إنّهم عملوا لها شأناً عظيماً ودفنوها في قبر جديد ، وفرشوا فيه الورد والرّياحين والمسك والعنبر ، وبنوا عليها قبّة عالية . فلمّا نظر زيد إلى ذلك ازدادت أشجانه ، وتصاعدت نيرانه ، وجعل يلطم وجهه ، ويمزِّق أطماره ، وحثا « 1 » التّراب على رأسه وهو يقول : وا ويلاه ، وا أسفاه عليك يا حسين ، أتقتل بالطّفّ غريباً وحيداً ، ظمآناً شهيداً ، وتسبي نساؤك وبناتك وعيالك ، وتذبح أطفالك ، ولم يبك عليك أحد من النّاس ، وتدفن بغير غسل ولا كفن ، ويحرث بعد ذلك قبرك ليطفئوا نورك ، وأنت ابن عليّ المرتضى ، وابن فاطمة الزّهراء ، ويكون هذا الشّأن العظيم لموت جارية سوداء ، ولم يكن الحزن والبكاء لابن محمّد المصطفى .
قال : ولم يزل يبكي وينوح حتّى غشي عليه ، والنّاس كافّة ينظرون إليه ، فمنهم من رقّ له ، ومنهم من جثى « 2 » عليه ، فلمّا أفاق من غشوته ، أنشأ « 3 » يقول :
أيحرث بالطّفِّ قبر الحسين * ويعمر قبر بني الزّانيهْ
لعلّ الزّمان بهم قد يعود * ويأتي بدولتهم ثانيهْ
ألا لعن اللَّه أهل الفساد * ومن يأمن الدّنيّة الفانيهْ
قال : ثمّ « 4 » إنّ زيداً كتب هذه الأبيات في ورقة وسلّمها لبعض حجّاب المتوكِّل ، قال :
فلمّا قرأها اشتدّ غيظه وأمر باحضاره ، فاحضر ، وجرى بينه وبينه من الوعظ والتّوبيخ ما أغاضه حتّى أمر بقتله ، فلمّا مثل بين يديه سأله عن أبي تراب مَنْ هو ؟ استحقاراً له ،
هامش
( 1 ) - [ في البحار والعوالم : « ويحثي » ] .
( 2 ) - [ في البحار والعوالم : « جنى » ] .
( 3 ) - [ في البحار والعوالم : « أنشد » ] .
( 4 ) - [ لم يرد في البحار والعوالم ] .