النّاس ! لا ألفينّكم بعدي ترجعون كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فتلقوني في كتيبة كبحر السّيل الجرّار ! ألا وإنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام أخي ووصيّي ، يقاتل بعدي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقوم مجلساً بعد مجلس بمثل هذا الكلام ونحوه .
ثمّ أنّه عقد لُاسامة بن زيد بن حارثة الإمرة ، وأمره وندبه أن يخرج بجمهور الامّة إلى حيث أصيب أبوه من بلاد الرّوم ، واجتمع رأيه عليه السلام على إخراج جماعة من مقدّمي المهاجرين والأنصار في معسكره ، حتّى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرّئاسة ويطمع في التّقدّم على النّاس بالإمارة ويستتبّ الأمر لمن استخلفه من بعده ولا ينازعه في حقّ ، ه منازع ، فعقد له الإمرة على ما ذكرناه ، وجدّ صلى الله عليه وآله وسلم في إخراجهم ، وأمر اسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره إلى الجرف وحثّ النّاس على الخروج إليه والمسير معه ، وحذّرهم من التّلوّم والإبطاء عنه ، فبينا هو في ذلك ، إذ عرضت له الشّكاة الّتي توفّي فيها ، فلمّا أحسّ بالمرض الّذي عراه ، أخذ بيد عليّ عليه السلام واتّبعه جماعة من النّاس وتوجّه إلى البقيع ، فقال لمن اتّبعه : إنِّي قد أمرت بالاستغفار لأهل البقيع ، فانطلقوا معه حتّى وقف بين أظهرهم ، وقال : السّلام عليكم يا أهل القبور ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا فيه النّاس ، أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم يتبع أوّلها آخرها ، ثمّ استغفر لأهل البقيع طويلًا ، وأقبل على أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له : إنّ جبريل عليه السلام كان يعرض عليَّ القرآن كلّ سنة مرّة ، وقد عرضه عليَّ العام مرّتين ولا أراه إلّالحضور أجلي ، ثمّ قال : يا عليّ ! إنِّي خيّرت بين خزائن الدّنيا والخلود فيها أو الجنّة ، فاخترت لقاء ربِّي والجنّة ، فإذا أنا متّ فاغسلني واستر عورتي ، فإنّه لا يراها أحد إلّاأكمه . ثمّ عاد إلى منزله ، فمكث ثلاثة أيّام موعوكاً ، ثمّ خرج إلى المسجد معصوب الرّأس ، معتمداً على أمير المؤمنين عليه السلام بيمنى يديه ، وعلى الفضل بن العبّاس باليد الأخرى حتّى صعد المنبر ، فجلس عليه ، ثمّ قال :
معاشر النّاس ! قد حان منِّي خفوق من بين أظهركم ، فمن كان له عندي عدّة فليأتني أعطه إيّاها ، ومَنْ كان له عليَّ دَين فليخبرني به ، معاشر النّاس ! لا يدّعي مدّع ولايتمنّى متمنّ ، والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً لا يُنجي إلّاعمل مع رحمة ، ولو عصيت لهويت ، اللّهمّ
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 843
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٨٤٣