حديثها عن هجرة المسلمين إلى الحبشة وعن هجرتها إلى المدينة
قال ابن إسحاق : حدّثني محمّد بن مسلم الزّهريّ ، عن أبي بكر بن عبدالرّحمان بن الحارث بن هشام المخزوميّ ، عن امّ سلمة بنت أبي اميّة بن المغيرة زوج رسول اللَّه ( ص ) ، قالت :
لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النّجاشيّ ، أمِنّا على ديننا ، وعبدنا اللَّهتعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه ، فلمّا بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النّجاشيّ فينا رجلين منهم جَلْدَين ، وأن يهدوا للنّجاشيّ هدايا مما يُستطرف من متاع مكّة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَم « 1 » ، فجمعوا له أدَماً كثيراً ، ولم يتركوا من بطارقته بطريقاً إلّاأهدوا له هديّة ، ثمّ بعثوا بذلك عبداللَّه بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص ، وأمروهما بأمرهم ، وقالوا لهما : ادفعا إلى كلّ بطريق هديّته قبل أن تكلِّما النّجاشيّ فيهم ، ثمّ قدّما إلى النّجاشيّ هداياه ، ثمّ سلاه أن يسلّمهم إليكما قبل أن يكلِّمهم ، قالت : فخرجا حتّى قدما على النّجاشيّ ، ونحن عنده بخير دار ، عند خير جار ، فلم يبق من بطارقته بطريق إلّادفعا إليه هديّته قبل أن يكلِّما النّجاشيّ ، وقالا لكلّ بطريق منهم : إنّه قد ضوى « 2 » إلى بلد الملك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاؤوا بدين مُبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم ، فإذا كلّمنا الملك فيهم ، فأشيروا عليه بأن يسلِّمهم إلينا ولا يكلِّمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عيناً « 3 » ، وأعلم بما عابوا عليهم ، فقالوا لهما : نعم . ثمّ إنّهما قدّما هداياهما إلى النّجاشيّ فقبلها منهما ، ثمّ كلّماه ، فقالا له : أيّها الملك ، إنّه قد ضوى إلى بلدك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم
هامش
( 1 ) - الأدم : الجلود ، وهو اسم جمع .
( 2 ) - ضوى : لجأ ولصق وأتى ليلًا .
( 3 ) - أعلى بهم عيناً : أبصر بهم . أي عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم .