تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتّى دنت من قبر أبيها محمّد صلى الله عليه وآله ، فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة ، فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النّسوان إليها ، فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت ، فلمّا أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :
رفعت قوّتي ، وخانني جلدي * وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي
يا أبتاه بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتي ، وانقطع ظهري ، وتنغّص عيشي ، وتكدّر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا رادّاً لدمعتي ولا معيناً لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التّنزيل ، ومهبط جبرئيل ، ومحلّ ميكائيل ، انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدّنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك . ثمّ نادت : يا أبتاه ، وا لبّاه ، ثمّ قالت :
إنّ حزني عليك حزن جديد * وفؤادي واللَّه صبٌّ عنيد كلُّ يوم يزيد فيه شجوني * واكتيابي عليك ليس يبيد جلّ خطبي فبان عنِّي عزائي * فبكائي كلُّ وقت جديد إنّ قلباً عليك يألف صبراً * أو عزاءً فإنّه لجليد
ثمّ نادت : يا أبتاه ، انقطعت بك الدّنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها ، وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها ؛ يا أبتاه ، لا زلت آسفة عليك إلى التّلاق ؛ يا أبتاه ، زال غمضي منذ حقّ الفراق ؛ يا أبتاه ، من للأرامل والمساكين ، ومن للُامّة إلى يوم الدّين ؛ يا أبتاه ، أمسينا بعدك من المستضعفين ؛ يا أبتاه ، أصبحت النّاس عنّا معرضين ، ولقد كنّا بك معظّمين في النّاس غير مستضعفين ، فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل ، وأيّ حزن بعد عليك لا يتّصل ، وأيّ جفن بعدك بالنّوم يكتحل ، وأنت ربيع الدّين ، ونور النّبيّين ، فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لا تغور ، والأرض كيف لم تتزلزل .