واختياره ذلك على البراءة من عليّ بن أبي طالب ، وهو لو فعل ذلك دفعاً عن نفسه لكان معذوراً لا إثم عليه ، فقد رخّص اللَّه تعالى في إظهار كلمة الكفر وشتم النّبيّ صلى الله عليه وآله بقوله :
« إلّا مَنْ أُكْرِهَ وقلبُهُ مُطْمئِن » ، ولكن كان عدم البراءة والصّبر على القتل أفضل وأعلى درجة ، وكان حجر في ذلك قدوة لأصحابه الّذين صبروا معه على القتل ولم يبرأوا ، ولا مقام أعلى وأرفع من طلبه تقديم قتلابنه إن كان أمر بقتله خوفاً من أن يرى هول السّيف على عنق أبيه ، فيرجع عن ولاية عليّ بن أبي طالب ، والبلاء للنّفوس كالمحك للمعادن ، ويأتي أنّه لمّا قال الخثعميّ : يقتل نصفنا ويسلّم النّصف ، قال سعيد بن نمران : اللَّهمّ اجعلني ممّن ينجو وأنت عنِّي راض ، وقال العنزيّ : اللَّهمّ اجعلني ممّن تكرم بهوانهم ، وكلاهما مصيب في قوله ، إلّاأنّ مقام العنزيّ أعلى ، ( وأمّا إطاعته اللَّه تعالى ) فهي في أعلى درجات الإطاعة ، فقد ثبت في مقام تزلّ فيه الأقدام ، وتذهب فيه العقول ، واختار القتل على البراءة ، ولا مقام أعلى من هذا في الإطاعة ، وأين هذا من الصّلاة والصّيام والحجّ ، وإيتاء الزّكاة ، وبرّ الوالدين ، وغيرها من جميع الطّاعات الّتي تهون عند تسليم النّفس للقتل اختياراً للآخرة على الدّنيا ؟ وبرّه بامّه في عدم اكتفائه بوضع يده على فراشها خوفاً أن يكون عليه شيء حتّى يمسّه بظهره ، لأنّ يديه خشنتان قد لا يحسّان بما على الفراش ، وإن كان له مقام عال في الطّاعة ، لكن أين هو من الأعلى منه من تسليم النّفس للقتل .
( وأمّا مجاهرته بالحقّ ومقاومته الظّلم ومجابهته الفراعنة في ذلك ) فهو أيضاً مقام تزلّ فيه الأقدام وتزيغ الأحلام ، وقد ثبت فيه ثبوتاً لا مزيد عليه غير هياب ، ولا وجل ورد عليهم في الملأ وعلى رؤوس الأشهاد ، ولم يغرّه زخرف الدّنيا الفانية ، وقد بذل له زياد ما يحبّ إن كفّ عمّا هو فيه ، فلم يفعل . ومع ذلك فقد احتاط لنفسه في بعض المواضع ولجأ إلى المداراة ، فلم يخلع معاوية . وأعلن بأ نّه على بيعته وإخلاصه الشّديد في ولاء أمير المؤمنين البالغ أقصى الغايات ، قد ظهر ممّا مرّ .
هو صحابيّ لا تابعيّ : مرّ قول صاحبي الاستيعاب وأسد الغابة أنّه كان من فضلاء الصّحابة ، وقول يحيى بن سليمان : كان من أفاضل الصّحابة ، وقول ابن سعد : كان جاهليّاً
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 1023
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٠٢٣