فأتي بخُرْجَين مملوءين كتباً ، فنُثرت بين يدي الحرّ وأصحابه ، فقال له الحرّ : « يا هذا ، لسنا ممّن كتب إليك شيئاً من هذه الكتب ، وقد امِرنا ألّانُفارقك « 1 » إذا لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيداللَّه بن زياد » . فقال الحسين عليه السلام : « الموت دون ذلك » . ثمّ أمر بأثقاله ، فحُملت ، وأمر أصحابه ، فركبوا ، ثمّ ولّى وجهه منصرفاً نحو الحجاز ، فحال القوم بينه وبين ذلك . فقال الحسين للحرّ : ما الّذي تريد ؟ قال : أريد واللَّه أن أنطلق بك إلى الأمير عبيداللَّه بن زياد . قال الحسين : إذن واللَّه أنابِذك الحرب . فلمّا كثر الجدال بينهما ، قال الحرّ : « إنّي لم أؤمر بقتالك ، وإنّما أمرت ألّاافارقك ، وقد رأيت رأياً فيه السّلامة من حربك ، وهو أن تجعل بيني وبينك طريقاً ، لا تُدخلك الكوفة ، ولا تردّك إلى الحجاز ، تكون نَصَفا بيني وبينك حتّى يأتينا رأي الأمير » . قال الحسين : « فخذ ها هنا ، فآخذ متياسراً من طريق العُذَيْب « 2 » ، ومن ذلك المكان إلى العُذَيب ثمانية وثلاثون ميلًا » .
فسارا جميعاً حتّى انتهوا إلى عُذَيب الهجانات ، فنزلوا جميعاً ، وكلّ فريق منهما على غَلْوة « 3 » من الآخر .
الدّربندي ، الأخبار الطّوال ، / 249 - 250 / عنه : ابن العديم ، بغية الطّلب ، 6 / 2623 ، الحسين بن عليّ ، / 82
قال : فلم يزل موافقاً حسيناً حتّى حضرت الصّلاة ، صلاة الظّهر ، فأمر الحسين الحجّاج ابن مسروق الجعفيّ أن يؤذّن ، فأذّن ، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين ، « 4 » فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها النّاس ، إنّها « 5 » معذرة إلى اللَّه عزّ وجلّ
هامش
( 1 ) - [ بغية الطّلب : نفارّك ] .
( 2 ) - العذيب : تصغير العذب ، ماء على يمين القادسيّة ، بينه وبين القادسيّة أربعة أميال ، منه إلى مفازة القرون في طريق مكّة .
( 3 ) - الغلوة : قدر رمية بسهم .
( 4 ) - [ زاد في بحرالعلوم : متّكأ على قائم سيفه ، فاستقبل القوم ] .
( 5 ) - [ في المقرّم مكانه : ثمّ إنّ الحسين استقبلهم فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال : إنّها . . . ] .