فقال من حضر من الأنصار من أصحابه : يا رسول اللَّه ! عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله ، فعذره النّبيّ صلى الله عليه وآله وفشت الملامة في الأنصار لزيدٍ وكذّبوه ، وقال له عمّه - وكان زيد معه - : ما أردت إلى أن كذّبك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله والنّاس ومقتوك ؟
وكان زيد يساير النّبيّ صلى الله عليه وآله ، فاستحيى بعد ذلك أن يدنو من النّبيّ صلى الله عليه وآله . فلمّا سار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، لقيه أسيد بن حضير ، فحيّاه بتحيّة النّبوّة ، ثمّ قال : يا رسول اللَّه ! لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها ، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : أوَ ما بلغك ما قال صاحبكم عبداللَّه بن أُبيّ ؟ قال : وما قال : قال : زعم أنّه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذلّ ، فقال أسيد : فأنت واللَّه تخرجه إن شئت ، هو واللَّه الذّليل وأنت العزيز . ثمّ قال : يا رسول اللَّه ! أرفق به ، فواللَّه لقد جاء اللَّه بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه ، فإنّه ليرى إنّك قد استلبته ملكاً . وبلغ عبداللَّه بن عبداللَّه بن أُبيّ ما كان من أمر أبيه ، فأتى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول اللَّه ! بلغني إنّك تريد قتل عبداللَّه بن أُبيّ لما بلغك عنه ، فإن كنت فاعلًا فمرني به وأنا أحمل إليك رأسه ، فوَ اللَّه لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه منِّي ، وإنِّي أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبداللَّه بن أُبيّ يمشي في النّاس ، فأقتله ! فأقتل مؤمناً بكافر ، فأدخل النّار . فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : بل نرفق ونحسن صحبته ما بقي معنا . وسار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يومهم ذلك حتّى أمسى ، وليلتهم حتّى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتّى آذتهم الشّمس ، ثمّ نزل بالنّاس ، فلم يكن إن وجدوا مسّ الأرض حتّى وقعوا نياماً ، وإنّما فعل ذلك ليشتغل النّاس عن الحديث الّذي كان بالأمس من حديث عبداللَّه بن أُبيّ ، ثمّ راح بالنّاس حتّى نزل على ماء بالحجاز فويق النّقيع يقال له نقعاء ، قال زيد ابن أرقم : فلمّا وافى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله المدينة ، جلست في البيت لما بي من الهمّ والحياء ، فأنزل اللَّه تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبداللَّه ، فلمّا نزلت ، أخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بإذن زيد ، وقال : يا زيد ! إنّ اللَّه تعالى قد صدّقك وأوفى بأذنك ، فلمّا أراد عبداللَّه بن أُبيّ أن يدخل المدينة ، جاء ابنه عبداللَّه بن عبداللَّه ، فأناخ على مجامع طرق المدينة وقال لأبيه : وراءك لا واللَّه لا تدخلها إلّابإذن
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 1290
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٢٩٠