وهمه نشأ من الكتاب المنسوب لأبي مخنف ، وهو بريء منه . ولكن ما كان ينبغي له ، وهو أستاذ آداب اللّغة العربيّة في جامعة بالهند ، أن يقع في مثل هذا الوهم ، فيحكم حكماً جازماً قاطعاً بأنّ الأبيات للحرّ بن يزيد لا لعبيداللَّه بن الحرّ ، وكان عليه - أوّلًا - أن ينظر في هذه الأبيات ليعلم أنّها لا يمكن أن تكون للحرّ ، وممّا يعجب له أيضاً استرساله في النّقل عن هذا المقتل أنّ الحسين استصرخ واحداً واحداً من أصحابه حتّى انتهت النّوبة إلى الحرّ ، فقدّم ولده ، ممّا لا أصل له ولم يذكره مؤرّخ .
وكلّ المؤرِّخين ذكروا رجوع الحرّ إلى الحسين عليه السلام ، وكيفيّة شهادته بما لا مساس له بشيء مع ما ذكر في هذا المقتل المختلق ، والحرّ لم يقتل معه ولده ، ولم يذكر ذلك مؤرِّخ .
والأبيات الأربعة الّتي نسبت إلى الحسين عليه السلام أنّه رثى بها الحرّ موضوعة مختلقة لم يذكرها مؤرّخ . وكفى في ذلك افتتاحها بالفاء في قوله : فنعم الحرّ ، مع أنّ فاعل نعم لا يكون علماً إلّا في بعض الشّواذ ، وكذلك الأبيات العينيّة الأربعة الّتي نسبها واضع هذا المقتل المكذوب على أبي مخنف إلى الحرّ لم يذكرها مؤرِّخ ، وهي من نظم واضع المقتل ، والشّطر الأوّل منها مأخوذ من بيت لبعض الشّعراء ، لا أتذكّر اسمه الآن ، وهو :
هو البين فاصنع ويك ما أنت صانع * فإن تك مجزاعاً فما البين جازع
الأمين ، أعيان الشّيعة ، 4 / 614 - 615
وخرج من بعده : الحرّ بن يزيد الرّياحيّ ، ومعه زهير بن القين يحمي ظهره ، فكان إذاشدّ أحدهما واستلحم ، شدّ الآخر واستنقذه ، ففعلا كذلك ساعة ، والحرّ يرتجز ويقول :
آليتُ لا اقتلُ حتّى أقتلا * ولن أصاب اليوم إلّامُقبِلا
أضربُهُم بالسّيف ضرباً مُعضِلا * لا ناكلًا عنهم ولا مهلّلا
فبينما هما يقاتلان ، ثمّ شدّت عليه رجالة ، فصرعته .
بحر العلوم ، مقتل الحسين عليه السلام ، / 400
ثمّ تقدّم الحرّ إلى الحسين ، وقال : يا مولاي ! أريد أن تأذن لي بالبراز إلى الميدان ، فأنِّي أوّل مَنْ خرج إليك ، واحبّ أن اقتل بين يديك ، فقال له الحسين عليه السلام : ابرز ، بارك