ثمّ نادى : يا أهل الكوفة ! على ما دعوتم الحسين وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونه ؟
فغدرتم به وأحطتم به من كلِّ جانب ومكان ، ومنعتموه التّوجّه إلى بلاد اللَّه العريضة ، وأصبح أسيراً بين أيديكم ، ومنعتموه وأصحابه وعياله ماء الفرات ، والكلاب والخنازير واليهود والنّصارى يشربون منه ، بئس ما خلفتم محمّداً صلى الله عليه وآله في أصحابه ، لا سقاكم اللَّه يوم العطش الأكبر ، ما لكم ؟ لِمَ لا ترجعوا وتثوبوا ؟ ثمّ إنّه حمل عليهم ، وأنشأ يقول :
إنِّي أنا الحرّ ومأوى الضّيف * أضرب في أعناقكم بسيفي
ضرب غلام لم يخف من حيف * أحمي لمن حلّ بأرض الخيف
ابن عليّ الطّهر مقرى الضّيف * لآخذنّ اليوم منكم حيفي
ثمّ حمل على القوم ، وقلب الميمنة على الميسرة وبالعكس ، ولم يزل يقاتل حتّى قتل أربعين فارساً ، وقد كلّ ساعده ، فكثر عليه القوم والجنود ، ثمّ حمل عليهم وأنشأ يقول :
أقسمت لا أرجع حتّى اقتلا * أضربكم بالسّيف ضرباً مقتلا
لا ناكلًا عنكم ولا مبدّلًا * عن الحسين سبط طاها المرسلا
ثمّ حمل عليهم وضرب فيهم بالسّيف ضرب الأعمى بعصاه حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً ، فقال ابن سعد ( لعنه اللَّه تعالى ) : عليَّ بالرّماة ، فأحضروهم ، فأمرهم برشقه بالنّبل ، فرشقوه ، فعقرت فرسه ، فنزل عنها ، وأنشأ يقول :
إن تعقروا مهري فإنِّي الحرّ * كاللّيث في الهيجا إذا يكِرُّ
قال : فضرب فيهم بالسّيف حتّى تكاثروا عليه ، وشرك في قتله رجل اسمه مسرح ، ورجل من فرسان أهل الكوفة ، فقتلوه واحتزّوا رأسه .
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، 280
ثمّ برز الحرّ وهو يقول :
أكون أميراً غادراً وابن غادر * إذا أنا قاتلت الحسين ابن فاطمهْ
أسفي على خذلانه وانفراده * ببيعة هذا ناكث العهد لازمهْ