معي ، فحملوا ، فانهزم أهل الشّام هزيمة قبيحة ، ووضع أهل العراق السّيف في أكتافهم نحواً من خمسة فراسخ ، وأسروا منهم زهاء ثلاثمائة رجل ، وأتي بهم ليزيد بن أنس ، فأمر بضرب أعناقهم ، فأوقفوا بين يديه وهو لما به ، فضربت أعناقهم ، وهو يومئ بيده أن لا تتركوا منهم أحداً . فاستوفوهم ، واشتدّت العلّة بيزيد ، فتوفّي في بعض اللّيل ، فجهّز وصلّى عليه ورقاء بن عازب ، وأقرّه ليلًا ، وأصبحوا في حزن على صاحبهم ، فقال لهم ورقاء : يا أهل العراق ! ذروا هذا الجزع ، فكلّ حيّ ميِّت ؛ فلا تشربوا قلوبكم الكدر فتهنوا ، وهذا عدوّ اللَّه وعدوّكم عبيداللَّه قد التأم إليه عسكره ، وعسكر آخر من الجزيرة وغيرها ، ولا أظنّ أنّ لكم به طاقة ؛ فإنّي أعلم أنا إن قاتلناهم خاطرنا على أنفسنا لكثرتهم ، وإن هزمنا ما جاءنا ، لم ينفعنا ، لكثرة مددهم . قالوا له : أيّها الأمير ! فالرّأي أن ننصرف عنهم لا سيّما وقد نكأنا « 1 » فيهم بالأمس . فوافقهم وانصرفوا في جوف اللّيل نحو العراق .
وبلغ ذلك أهل الكوفة ، فأرجفوا وقالوا : قُتل يزيد أميرهم ، وأبيد عسكره . واغتمّ المختار ولم يدر ما قصّتهم ، حتّى علم أنّهم انصرفوا لموت صاحبهم . فطابت نفسه ، وقدم أصحاب يزيد ، فأخبروه بما كان ، فدعا أبا النّعمان إبراهيم بن مالك الأشتر ، فعقد له ، وضمّ إليه أصحاب يزيد وغيرهم من فرسان أهل الكوفة ورجالهم ، وقال له : سر إلى عدوّ اللَّه وعدوّك وناجزهم ، وطالعني بأخبارك بليلك ونهارك ، فإن رأيت أمراً لا طاقة لك به فلا تلق بيدك إلى التّهلكة ، واكتب إليّ حتّى أمدّك بما تكتفي به من خيل ورجال ، وكن في كلّ أمر ذاكراً للَّهتعالى في كلّ حال ، وعجّل السّير ، وناجز عدوّك وحاكمهم إلى اللَّه صحبك اللَّه وسلّمك ، وردّك سالماً غانما . فسار إبراهيم بن مالك في أصحابه وهو يقول :
هامش
( 1 ) - نكأنا : أضررنا ، ومعنى الجملة إن قاتلناهم وهزمناهم جاءهم مدد لا يبقي علينا ، لأنّا قد أضررناهم بالنكاية بالأمس .