ينادي : يا شرطة اللَّه ، إليّ ، أنا ابن الأشتر ! إنّ خير فرّاركم كرّاركم ، ليس مسيئاً من أعتب . فثاب إليه أصحابه ، وأرسل إلى صاحب الميمنة : احمل على ميسرتهم - وهو يرجو حينئذٍ أن ينهزم لهم عُمير ابن الحُباب كما زعم - فحمل عليهم صاحب الميمنة ، وهو سفيان بن يزيد بن المغفّل ، فثبت له عُمير بن الحباب وقاتله قتالًا شديداً . فلمّا رأى إبراهيم ذلك ، قال لأصحابه : أمّوا هذا السّواد الأعظم ، فوَ اللَّه لو قد فضضناه لانْجَفَلَ مَن ترون منهم يمنة ويسرة انجفال طير ذعرتها فطارت .
قال أبو مخنف : فحدّثني إبراهيم بن عبدالرّحمان الأنصاريّ ، عن ورقاء بن عازب ، قال : مشينا إليهم حتّى إذا دنونا منهم اطّعنّا بالرّماح قليلًا ، ثمّ صرنا إلى السّيوف والعمد ، فاضطربنا بها مليّاً من النّهار ، فواللَّه ما شبّهتُ ما سمعتُ بيننا وبينهم من وقع الحديد على الحديد إلّامياجن « 1 » قصّاري دار الوليد بن عُقبة بن أبي مُعيط . قال : فكان ذلك كذلك ، ثمّ إنّ اللَّه هزمهم ، ومنحنا أكتافهم .
قال أبو مخنف : وحدّثني الحارث بن حصيرة ، عن أبي صادق أنّ إبراهيم بن الأشتر كان يقول لصاحب رايته : انغمس برايتك فيهم ، فيقول له : إنّه - جُعلت فداك - ليس لي متقدّم ، فيقول : بلى ، فإنّ أصحابك يقاتلون ، وإنّ هؤلاء لا يهربون إن شاء اللَّه ؛ فإذا تقدّم صاحب رايته برايته شدّ إبراهيم بسيفه فلا يضرب به رجلًا إلّاصرعه . وكرَد « 2 » إبراهيم الرّجال من بين يديه كأ نّهم الحُمْلان ، وإذا حمل برايته شدّ أصحابه شدّة رجل واحد .
قال أبو مخنف : حدّثني المشرقيّ أنّه كان مع عبيداللَّه بن زياد يومئذ حديدة لا تُليق شيئاً مرّت به ، وأ نّه لمّا هُزِم أصحابه حمل « 3 » عُيَينة ابن أسماء أخته هند بنت أسماء - وكانت امرأة عبيداللَّه بن زياد - فذهب بها وأخذ يرتجز ويقول :
إن تَصْرِمي حِبالَنا فَرُبَّما * أرْدَت الهَيْجاءُ الكَمِيَّ المُعلِما
قال أبو مخنف : وحدّثني فُضَيل بن خديج أنّ إبراهيم لمّا شدّ على ابن زياد وأصحابه
هامش
( 1 ) - المياجن : جمع ميجنة ، وهي مدقة القصار .
( 2 ) - الكرد : الطّرد .
( 3 ) - ا : « جعل » .