فلمّا سمع السّجّان كلامهما ، بكى بكاءً شديداً ، وانكبّ على أقدامهما يقبّلهما ويقول :
نفسي لنفسكما الفداء ، وروحي لروحكما الوقا يا عترة محمّد المصطفى ، واللَّه لا يكون محمّد خصمي في « 1 » القيامة ، هذا باب السّجن مفتوح ، فخذوا أيّ طريق شئتما يا حبيبيّ ، سيرا باللّيل واكمنا بالنّهار .
قال : فلمّا خرجا ، لم يدريا إلى أيّ جهة يمضيان ، فلمّا جهجه « 2 » الصّبح عليهما ، دخلا بستاناً « 3 » وصعدا على شجرة واكتنّا بها . فلمّا طلعت الشّمس وإذا بجاريةٍ قد رأتهما ، فأقبلت إليهما وسألتهما عن حالهما وطيّبت « 4 » قلوبهما ، وقالت لهما : سيرا معي إلى مولاتي ، فإنّها محبّة لكما ، فسارا معها ، فسبقتهم « 5 » الجارية ، فأعلمت مولاتها . فلمّا سمعت بها « 6 » قامت حافية إليهما واستقبلتهما بالبشرى ، وقالت لهما : أدخلا على رحب وسعة ، فلمّا دخلا أنزلتهما في مكان لم يدخل إليه أحد من النّاس ، وخدمتهما خدمة تليق بهما .
ثمّ إنّ ابن زياد لعنه اللَّه نادى في شوارع الكوفة : إنّ من جاءني بأولاد مسلم بن عقيل فله الجائزة العظمى . وكان زوج تلك المرأة من جملة من طلبهما ، فلمّا جنّ اللّيل ، أقبل اللّعين إلى داره ، وهو تعبان من كثرة الطّلب ، فقالت له زوجته الصّالحة : أين كنت ؟ فإنّي أرى في وجهك آثار التّعب ؟ قال : إنّ ابن زياد قد نادى بأزقّة الكوفة أنّ من جاءني بأولاد مسلم بن عقيل كان له عندي الجائزة العظيمة « 7 » ، وقد خرجت في الطّلب ، فلم أجد لهما أثراً ولا خبراً ، فقالت له زوجته : يا ويلك ! أما تخاف من اللَّه ؟ مالك وأولاد الرّسول ؟ تسعى إلى الظّالم بقتلهم ، فلا تغرّنّك الدّنيا . قال : أطلب الجائزة من الأمير ، قالت : تكون أقلّ النّاس وأحقرهم عنده إن سعيت بهذا الأمر .
هامش
( 1 ) - [ زاد في الأسرار : يوم ] .
( 2 ) - [ الأسرار : جخّ ] .
( 3 ) - [ زاد في الأسرار : هناك ] .
( 4 ) - [ المطبوع : طيب ، وهو تصحيف ] .
( 5 ) - [ الأسرار : فسبقتها ] .
( 6 ) - [ الأسرار : بهما ] .
( 7 ) - [ الأسرار : العظمى ] .