غابَ عنّا ثمّ عاد ورأسهُ يقطُر ماءً . قلتُ : ما لك ؟ قال :
تَعَرَّضُ سَلْماكَ لمّا حَرَمْ * - تَ ضَلَّ ضَلالُكَ مِنْ مُحْرِمِ !
تُريدُ به البِرَّ يا لَيْتَهُ * كَفافاً مِنَ البِرِّ والمأْ ثَمِ
- الغناء لابن سُريج ولم يُجَنِّسْه - قال ، قلت : زَنَيْتَ ورَبِّ الكَعْبة ! قال : قُلْ ما بدا لكَ .
ثمّ لَقِيَ ابنَ سُريج فقال : إنِّي قد قلتُ بيتينِ حسَنَيْنِ أُحِبُّ أن تُغَنِّيني بهما . قال : وما هما ؟
فأنشدهُ إيّاهما ؛ فغنّى بهما من ساعته ، ففُتِنَ مَنْ حَضَرَ مِمّن سمعَ صوتَه .
ارتحال جرير من المدينة إلى مكّة لسمع غناء ابن سريج في سفره :
أخبرني الحسين ين يحيى ، عن حمّاد ، عن أبيه ، قال : حدّثني إسحاق بن يحيى بن طلحة ، قال : قدِمَ جَرير بن الخَطَفى المدينة ونحن يومئذٍ شبابٌ نطلبُ الشِّعرَ ، فاحْتَشَدْنا له ومعنا أشْعَبُ . فبَيْنا نحنُ عندهُ إذ قام لحاجةٍ وأقمنا لم نَبْرَح . وجاء الأحْوَص بن محمّد الشاعرُ من قُباءَ على حِمارٍ ، فقال : أين هذا ؟ فقلنا : قام لحاجةٍ ، فما حاجتُكَ إليه ؟ قال :
أُريد واللَّه أن أُعْلِمهُ أنّ الفَرَزْدَق أشْعَرُ منه وأشْرَف . قلنا : وَيْحَك ! لا تَعْرِضُ له وانْصَرِفْ ، فانصرَفَ وخرَج . فجاء جَريرٌ فلم يكن بأسرَع من أن أقبلَ الأحوصُ الشاعرُ فأقبل عليه ، فقال : السلامُ عليكَ يا جَريرُ . قال جريرٌ : وعليكَ السّلام . فقال الأحوصُ : يا ابن الخَطَفَي ! الفرزدقُ أشرفُ منكَ وأشعرُ . قال : جَريرٌ : مَنْ هذا أخْزاهُ اللَّهُ ! قلنا : الأحوصُ ابن محمّد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقْلَح . فقال : نعم ! هذا الخبيث ابن الطّيِّب ، أأنتَ القائلُ :
يَقَرُّ بِعَيْني « 1 » ما يَقَرُّ بِعَيْنِها * وأحسنُ شيءٍ ما به العينُ قُرّتِ
قال : نعم . قال : فإنّه يقرُّ بعينِها أن يدخلُ فيها مثلُ ذِراعِ البَكْر « 2 » ، أفيقَرُّ ذلك بعينِكَ ؟ !
هامش
( 1 ) - قرّت عينُه : چشم أو خنك شد ، وكناية از شادى است . گويند هنگام غم چشم گرم وأشك هم گرم است ؛ بعكس هنگام شادى كه چشم خنك وأشك شوق هم خنك مىشود
( 2 ) - ترجمهء « ذراع البَكْر » است . ذِراع كه به كسر اوّل در انسان از آرنج تا انگشتان واز حيوان از زانو تاسم آنست