وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيده الأرض .
قال أبو مخنف : ويقول في حمحمته : الظّليمة الظّليمة من أمّة قتلت ابن بنت نبيّها ، فتعجّبوا من ذلك ، وصار يطلب الخيم ويصهل صهيلًا عالياً ، وقد ملأ البريّة من صهيله حتّى قرب من الخيم ، فسمعت زينب صهيله فعرفته ، فأقبلت على سكينة وقالت : جاء أبوك بالماء فاستقبليه .
قال : فخرجت سكينة فنظرت إلى الفرس عارياً والسّرج خالياً وهو يصهل وينعى صاحبه ، فلمّا رأته هتكت خمارها وصاحت : وا قتيلاه ! وا حسيناه ! وا محمّداه ! هذا الحسين معفّر بدمه في أرض كربلاء وجسمه بالعراء ، هذا الحسين بدنه بأرض ورأسه بأخرى ، بأبي من برأسه إلى الشّام يهدى ، بأبي من أمسى عسكره يوم الاثنين نهباً .
ثمّ أنّها وضعت يدها على رأسها وأنشأت تقول : [ ثمّ ذُكرت الأبيات كما ذكرناها في مقتل أبي مخنف ( المشهور ) ] .
يا موت هل من فدىً يا موت هل عوض * فاللَّه ربِّي من الكفّار ينتقم
يا أمّة السّوء لا سقياً لمربعكم * يا أمّة أعجبت من فعلها الأمم
فلمّا سمعت زينب شعرها خرجت صارخة وهي تنشد وتقول :
فاليوم أنظره في التّرب منجدلًا * لولا التّحمُّل طاشت فيه أسراري
كأنّ صورته في كلِّ ناحية * شخص يلائم أوهامي وأخطاري
قد كنت آمل آمالًا أسرُّ بها * لولا القضاء الّذي في أمره جار
جاء الجواد فلا أهلًا بمقدمه * إلّا بوجه حسين مدرك الثّار
ما للجواد لحاه اللَّه من فرس * ألّا يجندل دون الضّيغم الضّاري
يا نفس صبراً على الدّنيا ومحنتها * هذا الحسين إلى ربّ السّماء صاري
قال : فلمّا سمعن باقي الحريم خرجن فنظرن إلى الفرس عارياً والسّرج خالياً فجعلن يلطمن الخدود ويشققن الجيوب وينادين : وا محمّداه ! وا عليّاه ! وا فاطمتاه ! وا حسناه !