ومكث الحسين طويلا من النّهار ، وكلّما انتهى إليه رجل انصرف عنه وكره أن يتولّى قتله ، حتّى أتاه مالك بن النّسير ، فضربه على رأسه بالسّيف ، فقطع برنس خزّ كان عليه ، وأدمى رأسه ، فألقى ذلك البرنس ، ودعا بقلنسوة ، فلبسها واعتمّ ، وكان قد أعيى وبلّد ، ولم يبق له قوّة ، وجهده العطش . فدنا إلى الماء ليشربه ، فرماه حصين بن تميم بسهم ، فوقع في فمه يتلقّى الدّم من فيه ، فيرمى به إلى السّماء ثمّ حمد اللّه وأثنى [ 113 ] عليه ، ثمّ جمع يده وقال : « أللّهمّ أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تذر منهم أحدا » .
ثمّ أقبل إليه شمر بن ذي الجوشن في نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة ، وطلب منزل الحسين الّذي فيه ثقله . فمشى نحوهم ، فحالوا بينه وبين رحله .
فقال الحسين : « ويلكم ! إن لم يكن لكم دين ، فكونوا في دنياكم أحرارا ، امنعوا أهلي من طغامكم وجهّالكم » .
قال ابن ذي الجوشن : « ذلك لك » ، وأقدم عليه بالرّجّالة .
قال عبد اللّه بن عمار : فلقد رأيته وهو يحمل على من في يمينه فيطردهم ، وعلى من في شماله ، فيطردهم وعليه قميص خزّ وهو معتمّ ، فو اللّه ، ما رأيت مكثورا قتل ولده وأهل بيته وأصحابه ، أربط جأشا منه ، ولا أمضى جنانا ، ولا أجرأ مقدّما . واللّه ، ما رأيت قبله ولا بعده مثله ، إن كانت الرّجّالة لتنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذّنب ، فكأنّي بزينب أخته وهو على تلك الحال ، قد خرجت وأنا أنظر إلى قرطها يجول بين أذنها وعاتقها وهي تقول : « ليت السّماء انطبقت على الأرض » .
وكان قد دنا عمر بن سعد من الحسين ، فقالت : « يا ابن سعد يقتل أبو عبد اللّه وأنت تنظر إليه » ؟ وكأنّي أنظر إلى دموع [ عمر بن ] سعد تسيل على خدّيه ولحيته ، وصرف وجهه عنها . فنادى في النّاس شمر : « ويحكم ! ما تنتظرون بالرّجل ؟ اقتلوه ، ثكلتكم أمّهاتكم » ! فحمل عليه من كلّ جانب ، وضرب على كتفه وطعن .
فقال شمر لخولى بن يزيد الأصبحيّ : « انزل ، فاحتزّ رأسه » ، فضعف وأرعد .
فقال له سنان بن أنس وهو الّذي طعنه : « فتّ اللّه عضديك » ! فنزل ، فذبحه وأخذ رأسه .
أبو علي مسكويه ، تجارب الأمم ، 2 / 72 - 73
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 665
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٦٦٥